هجوم «البيت الأبيض» ورقة سياسية في قبضة ترامب.. منع هجرة العالم الثالث لأمريكا
هجوم «البيت الأبيض» ورقة سياسية في قبضة ترامب.. منع هجرة العالم الثالث لأمريكا
فى ظل أجواء سياسية مشحونة داخل الولايات المتحدة، فجّر الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، موجة واسعة من الجدل، بإعلان عزمه فرض «تجميد دائم» للهجرة القادمة من جميع «دول العالم الثالث»، فى خطوة بدت، وفق مراقبين، امتداداً لتشدد «رجل البيت الأبيض» فى ملف الهجرة، وتحولاً جديداً يُعيد هذا الملف إلى واجهة الصراع السياسى فى الولايات المتحدة، جاءت تصريحات «ترامب» فى أعقاب هجوم مسلح وقع قرب البيت الأبيض، وأودى بحياة مجندة فى الحرس الوطنى، ما منح الرئيس الجمهورى ذريعة جديدة لمهاجمة سياسات سلفه الديمقراطى، جو بايدن، واتهامه بالتقصير فى إجراءات التدقيق الأمنى، التى سمحت بدخول «عناصر خطرة» إلى الولايات المتحدة، على حد قوله.
وذكرت صحيفة «تشاينا ديلى»، فى تقرير لها، أن الرئيس الأمريكى لم يقدّم أى تعريف محدد لمفهوم «دول العالم الثالث»، كما لم يوضّح آلية تطبيق قرار «التجميد الدائم»، الذى أعلن عنه، إلا أنه أكد أن الخطوة ستشمل مراجعة أو إلغاء جميع الحالات التى تمت الموافقة عليها خلال إدارة «بايدن»، فى إشارة إلى قضايا اللجوء، وبرامج «إعادة التوطين»، وكتب «ترامب»، عبر منصة «تروث سوشيال» منشوراً قال فيه: «سأوقف بشكل دائم الهجرة من كل دول العالم الثالث، للسماح للنظام الأمريكى بالتعافى، وإنهاء ملايين الحالات غير القانونية التى سمح بها بايدن»، كما توعّد بوقف جميع الإعانات الفيدرالية عن «غير المواطنين»، وسحب الجنسية من المهاجرين الذين يعتبرهم مصدر تهديد لـ«السلام الداخلى»، إضافة إلى ترحيل كل من يصنف بأنه «عبء عام»، أو «خطر أمنى»، أو «غير متوافق مع الحضارة الغربية».
ورغم خطورة التصريحات وما ترتب عليها من ردود فعل، لم تصدر الإدارة الأمريكية ولا هيئة خدمات الهجرة والمواطنة أى تعليقات رسمية، بينما كان المشهد الأمنى والسياسى يشهد تصعيداً موازياً بإعلان وزارة الأمن الداخلى بدء مراجعة موسعة لقضايا اللجوء، التى تم إقرارها فى عهد «بايدن»، إلى جانب ملفات الإقامة الدائمة، التى مُنحت لمواطنين من 19 دولة، كما أشارت الصحيفة الصينية، نقلاً عن وكالة «رويترز» للأنباء، أن وثائق اطلعت عليها تكشف أن منفذ الهجوم، الذى أثار العاصفة السياسية الأخيرة فى الولايات المتحدة، مواطن أفغانى، يُدعى «رحمن الله لكنوال»، يبلغ 29 عاماً، دخل الأراضى الأمريكية فى 2021، ضمن برنامج «إعادة التوطين»، الذى أطلقته إدارة «بايدن»، عقب «الانسحاب الفوضوى» للقوات الأمريكية من أفغانستان فى أغسطس 2021، وأضافت أنه حصل على حق اللجوء خلال العام الجارى، ما جعل الحادثة مادة جاهزة لـ«ترامب» لربط الهجوم بما أسماه «فشل التحقق الأمنى»، و«ثغرات الهجرة».
وأسفر الهجوم، الذى نفذه الشاب الأفغانى قرب «البيت الأبيض»، عن مقتل المجندة «سارة بيكستروم»، البالغة من 20 سنة، متأثرة بإصابتها، فيما لا يزال رفيقها «أندرو وولف»، 24 سنة، فى حالة حرجة، واعتبرت غالبية وسائل الإعلام الأمريكية أن الواقعة سرعان ما تحولت إلى «معركة سياسية»، دفعت «ترامب» إلى تبنى خطاب أكثر حدة، وشن هجوم مباشر على إدارة «بايدن»، وسط انقسام مجتمعى محتدم، حول مستقبل «ملف الهجرة».
ولم يكتف الرئيس الأمريكى بمهاجمة برنامج «إعادة التوطين»، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حين وصف عملية الإجلاء من أفغانستان بأنها «فظيعة»، مدعياً أن «مئات الآلاف دخلوا البلاد دون أى تدقيق أو فحص»، وبعد ساعات من الحادث، أعلنت هيئة خدمات الهجرة تجميد جميع الطلبات المتعلقة بالمواطنين الأفغان إلى أجل غير مسمى، فى خطوة رأى فيها مراقبون محاولة لإظهار التفاعل مع توجيهات «ترامب»، قبل الإعلان الرسمى عن سياسات جديدة.
وأضافت «تشاينا ديلى» أن الهجوم، رغم أن منفذه كان يقيم فى البلاد بصورة قانونية، منح «ترامب» زخماً إضافياً لتبرير توجهاته المتشددة، إلا أن خطاب الرئيس الأمريكى يظلّ موضع انتقاد من معارضيه، الذين يشيرون إلى أن سياساته «تعسفية» و«غير قانونية» فى بعض الحالات، وتستهدف المهاجرين بشكل واسع، بمن فيهم من لديهم سجلات نظيفة، أو يقيمون بطريقة مشروعة داخل الولايات المتحدة.
ولفتت الصحيفة إلى أن آلاف الأفغان، ممن تم إجلاؤهم إلى الولايات المتحدة، بعد سيطرة حركة «طالبان» على السلطة، باتوا يعيشون حالة من الخوف والقلق، حيث أكد «شون فان دايفر»، رئيس منظمة «أفغان إيفاك»، فى سان دييجو، أن كثيرين منهم «لا يجرؤون على مغادرة منازلهم خوفاً من الاعتقال، أو التعرض لهجمات لفظية»، مضيفاً: «إنهم مرعوبون، لناس أصبحوا يتصرفون بعدائية، بسبب فعل رجل واحد»، كما أكد السفير أشرف حيدرى، رئيس منظمة «النازحين الدولية»، نفس الرأى، حيث شدد على ضرورة أن يكون التحقيق فى الهجوم شاملاً، وأن يحصل الضحايا على العدالة، لكنه حذر من استخدام الحادثة لتبرير «عقاب جماعى» لأفراد لا علاقة لهم بالجريمة، أو لتغذية خطاب الكراهية والتمييز، ضد مجتمعات كاملة.
واختتمت «تشاينا ديلى» تقريرها بالقول إن التداعيات السياسية للحادث تتجاوز حدود الأمن الداخلى، وتمتد إلى عمق المشهد الانتخابى الأمريكى، حيث يتحول ملف الهجرة، مرة أخرى، إلى محور استقطاب حاد بين الحزبين، فالخطاب الذى يربط بين «الأمن القومى» وأصول المهاجرين، يعيد إنتاج الانقسامات المجتمعية، ويزيد من حالة عدم الثقة والخوف بين ملايين المهاجرين الشرعيين، وفى ظل تصاعد الخطابات المتشددة، واتساع دائرة القلق بين الجاليات المهاجرة، يجد ملايين المهاجرين أنفسهم فى قلب أزمة لا يد لهم فيها، فى الوقت الذى تواصل فيه إدارة «ترامب» الدفع باتجاه سياسات تُعيد صياغة مفهوم الانتماء والهجرة، فى واحدة من أكثر اللحظات حساسية فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.