«ماكرون» يعلن مضاعفة الإنفاق العسكري وفتح باب التطوع أمام الشباب في الجيش

كتب: محمود العيسوي

«ماكرون» يعلن مضاعفة الإنفاق العسكري وفتح باب التطوع أمام الشباب في الجيش

«ماكرون» يعلن مضاعفة الإنفاق العسكري وفتح باب التطوع أمام الشباب في الجيش

تعيش أوروبا اليوم لحظة فارقة فى تاريخها الأمنى، مع تصاعد المخاوف من تغير موازين القوة فى القارة العجوز، وعودة التهديدات العسكرية إلى الواجهة، بعدما كانت لعقود جزءاً من ذاكرة الماضى، وفى قلب هذا المشهد، تدشن فرنسا خطوة غير مسبوقة منذ نحو ثلاثة عقود، إذ أطلق الرئيس إيمانويل ماكرون برنامج «الخدمة العسكرية الطوعية للشباب»، فى مبادرة تهدف إلى إعادة بناء القدرات البشرية للجيش، وتحصين المجتمع الفرنسى، فى مواجهة عالم يميل فيه ميزان القوة إلى من يملك الاستعداد العسكرى، لا إلى من يراهن على الاستقرار وحده، ووفق تقرير لمجلة «نيوزويك» فإن هذه الخطوة تأتى فى سياق أوروبى أوسع، يعكس شعوراً بأن الحرب فى أوكرانيا لا تزال بعيدة عن نهايتها، وأن تهديدات روسيا لم تعد مجرد مخاوف نظرية، بل احتمالات تتطلب تجهيزاً فعلياً.

فمن قاعدة عسكرية فى جبال الألب، كشف «ماكرون» عن ملامح البرنامج الجديد، الذى يستهدف الشباب من عمر 18 و19 عاماً، ويوفر لهم فرصة الالتحاق بخدمة عسكرية لمدة عشرة أشهر داخل فرنسا، أو فى أراضيها فيما وراء البحار، وستبدأ المرحلة الأولى فى صيف 2026 بعدد لا يتجاوز 3 آلاف مشارك، على أن يرتفع العدد تدريجياً إلى 10 آلاف سنوياً بحلول 2030، ثم إلى 50 ألفاً بحلول 2036 تبعاً للظروف الأمنية، وأكد الرئيس الفرنسى أن هذه الخطوة تعبّر عن «ثقة فى شباب فرنسا»، وأن العالم لم يعد يسمح بالاعتماد على التوازنات الدبلوماسية وحدها، بل يحتاج إلى جاهزية حقيقية.

وأشارت «نيوزويك» إلى أن هذا التحرك يأتى فيما تعيد عدة دول أوروبية صياغة سياساتها الدفاعية، فقد أطلقت بلجيكا وهولندا برامج مشابهة، وتدرس ألمانيا العودة إلى نماذج قريبة من الخدمة العسكرية، بينما لا تزال عشر دول أخرى، من بينها اليونان وفنلندا وليتوانيا، متمسكة بالتجنيد الإلزامى بصور مختلفة، أما فرنسا، التى ألغت التجنيد الإجبارى عام 1996، فى عهد الرئيس الأسبق جاك شيراك، فتتخذ اليوم أكبر خطوة باتجاه «إعادة عسكرة المجتمع المدنى»، كما وصفتها المجلة، ولكن بصيغة طوعية، لا تُعيد البلاد إلى الخدمة الإلزامية التقليدية.

وشدد «ماكرون»، خلال كلمته، على أن البرنامج الجديد ليس تجنيداً إجبارياً، بل منظومة مرنة، تهدف إلى توفير قوة بشرية إضافية، تعزز قدرة الدولة على الاستجابة السريعة للطوارئ، كما عبّرت الحكومة الفرنسية عن ثقتها فى أن المشروع، الذى تُقدر تكلفته بنحو مليارى يورو، سيعزز الجاهزية أمام أى تهديد محتمل، خصوصاً من روسيا، التى «تتقدم كلما وجدت نقطة ضعف»، بحسب تعبير الرئيس الفرنسى.

وتشير بيانات وزارة الدفاع الفرنسية إلى أن عدد الجنود العاملين يبلغ نحو 200 ألف جندى، إضافة إلى أكثر من 40 ألف جندى احتياطى، لتكون فرنسا ثانى أكبر قوة عسكرية فى الاتحاد الأوروبى بعد بولندا، ويطمح «ماكرون» لرفع عدد قوات الاحتياط إلى 100 ألف بحلول عام 2030، ورفع الإنفاق الدفاعى إلى 64 مليار يورو سنوياً بحلول عام 2027، مقارنةً بـ32 ملياراً فقط عند توليه الرئاسة عام 2017، وهو ما تعتبره «نيوزويك» يمثل «قفزة تاريخية فى الإنفاق الدفاعى».

وسيحصل المشاركون فى الخدمة الطوعية على تدريب كامل داخل الأراضى الفرنسية، قبل أن يختاروا بين العودة للحياة المدنية، أو الالتحاق بقوات الاحتياط، أو بدء مسار مهنى فى الجيش، وشدد «ماكرون»، فى تصريحات نقلتها إذاعة (RFI)، على أن البرنامج لا علاقة له بالصراع الحالى فى أوكرانيا، قائلاً: «من الضرورى توضيح أننا لا نعتزم إرسال شبابنا إلى أوكرانيا، التدريب والتنفيذ كله سيكون داخل فرنسا».

كما حظيت دعوة «ماكرون» للشباب للتطوع فى الجيش بدعم داخل البرلمان الفرنسى، حيث اعتبر «توماس جاسيلو»، رئيس لجنة الدفاع بالجمعية الوطنية، أنها «تُقرب فرنسا من نموذج هجين، يجمع بين العسكرية المهنية والتطوع المدنى»، وأضاف أن البلاد «ذهبت بعيداً فى الاعتماد على القوات المحترفة وحدها»، أما الجنرال «فابيان ماندون»، رئيس الأركان الجديد للجيش الفرنسى، فقد حذر فى تصريحات لوكالة «أسوشيتد برس»، من أن روسيا «تستعد لمواجهة محتملة مع دول الناتو بحلول عام 2030»، مشيراً إلى أن مؤشرات التحضير الروسى «واضحة ومقلقة».

وترافق البرنامج مع إعلان الرئيس الفرنسى عن تخصيص 6.5 مليار يورو إضافية للإنفاق العسكرى فى العامين المقبلين، بهدف تسريع عملية التحديث العسكرى، وتلبية احتياجات الدفاع الجوى والبحرى والبرى، ورفع مستويات الجاهزية التكنولوجية فى مجالات الاستخبارات والإنذار المبكر والقدرات السيبرانية.

واعتبرت «نيوزويك»، فى تقريرها، أن هذه التطورات لا تعبر فقط عن تحول فى فرنسا، بل عن «تحول ذهنى شامل» فى أوروبا كلها، التى تدرك الآن أن العالم بعد الحرب الروسية - الأوكرانية لن يشبه ما قبله، وأن السؤال لم يعد: «هل يجب أن نستعد؟»، بل: «هل تأخرنا بالفعل؟»، وأضافت الصحيفة الأمريكية أن «مرحلة ما بعد الحرب الباردة انتهت»، وأن العودة إلى نماذج الخدمة العسكرية، سواء كانت إلزامية أو طوعية، أصبحت جزءاً من استراتيجية أوروبية جديدة، تقوم على رفع كفاءة الجيوش، وإشراك المجتمع فى منظومة الأمن القومى.

وبينما تستعد الدفعة الأولى من الشباب الفرنسى لارتداء الزى العسكرى فى صيف 2026، تبدو فرنسا كأنها تدخل مرحلة جديدة من إعادة صياغة علاقتها بالدفاع الوطنى، وبناء جيل جديد يتعامل مع التهديدات الأمنية، باعتبارها واقعاً لا يمكن تجاهله، وفى الوقت الذى تتصاعد فيه التوترات شرق أوروبا، وتبقى نتائج المفاوضات بين موسكو وكييف غامضة، تبدو باريس مصرة على ألا يكون مستقبلها رهناً لمجهول قد يتحول إلى خطر فى أى لحظة.


مواضيع متعلقة