«إبادة طبية».. وثائق تكشف تحويل مستشفيات سورية إلى «مصانع موت» خلال الحرب الأهلية
«إبادة طبية».. وثائق تكشف تحويل مستشفيات سورية إلى «مصانع موت» خلال الحرب الأهلية
كشفت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية عن وثائق وصور جديدة تكشف تورط أطباء سوريين - بات بعضهم الآن يمارس المهنة في دول أوروبية - في التستر على عمليات التعذيب والقتل التي ارتكبها النظام السوري السابق داخل السجون والمعتقلات، قبل أيام من الذكرى الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، في 8 ديسمبر 2024.
وتُظهر مجموعة ضخمة من الملفات التي جمعت من فروع المخابرات في دمشق، الدور المركزي الذي لعبته المستشفيات العسكرية في الاعتقال الجماعي، والتعذيب، وإخفاء الأدلة عبر شهادات وفاة مزورة تُرجع وفاة المعتقلين إلى توقف القلب أو قصور تنفسي.
مصير مجهول لأكثر من 150 ألف معتقل
ولا يزال مصير أكثر من 150 ألف معتقل ومُختفٍ قسريًا مجهولًا منذ اندلاع الحرب الأهلية قبل 14 عامًا، وتضم الوثائق أكثر من 10 آلاف صورة لمعتقلين قُتلوا في سجون النظام، التُقطت بواسطة مصور في الشرطة العسكرية كان مُكلفًا بتوثيق الجثث بعد التعذيب، وحصلت عليها قناة «NDR» الألمانية، ثم شاركتها مع «التايمز» وشبكة دولية من المؤسسات الإعلامية.
وتُظهر الصور رجالًا ونساءً وأطفالًا بملامح تعكس التجويع والتعذيب الشديد، وبعض الجثث فوق بعضها أو تُركت مكشوفة وسط أسراب الذباب، كما أن آلاف الضحايا بلا أسماء، ودُفنوا في مقابر جماعية بلا سجلات.

شبكة تعذيب في مستشفيات سوريا
وتؤكد الملفات أن مستشفيات عسكرية، مثل «تشرين» و«حرستا»، لم تكن مجرد مرافق طبية، بل تحولت إلى امتداد لشبكة التعذيب، فهناك كان يُنقل المعتقلون من السجون، ويُتركون تحت الحراسة، بينما يُستدعى الأطباء لإصدار شهادات وفاة تُخفي الحقيقة.
وكشف بعض الوثائق عن أن أطباء، يعمل عدد منهم الآن في ألمانيا ودول أوروبية أخرى، وقَّعوا على شهادات وفاة لضحايا عُثر عليهم جماعيًا في نفس اليوم وبنفس الرواية المكررة «توقف قلبي مفاجئ» رغم آثار الجروح وسوء التغذية.
في إحدى الحالات، وثق طبيب يمارس الطب حاليًا في ألمانيا وفاة 6 معتقلين جرى إحضارهم دفعة واحدة، دون أسماء، ودون أي إشارة إلى التعذيب.
طعن وحرق بالسجائر
كانت شهادات أطباء سابقين خدموا في مستشفيات النظام السوري كشفت للصحيفة البريطانية عن تفاصيل مروعة، من طعن وحرق بالسجائر داخل الأجنحة الطبية، وصب مياه قذرة داخل جروح السجناء، ووصول شاحنات محملة بعشرات الجثث مرتين أسبوعيًا، ونقل الجثث إلى شاحنات مبردة ثم إلى مقابر جماعية، كما قال أحد الباحثين المتخصصين في جرائم النظام السوري السابق إن العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمستشفيات تصل إلى مستوى الإبادة الطبية، مضيفًا: «كانت المستشفيات جزءًا من آلة القتل، وربما كان عدد القتلى داخلها أكبر من السجون».
رغم أن جزءًا من الأرشيف جرى مشاركته مع منظمات البحث عن المفقودين، فإن غالبية الضحايا ما زالوا مجرد أرقام، وتقول «التايمز» إن مهمة التعرف على كل حالة تبدو شبه مستحيلة، لكن عائلات سورية كثيرة ما زالت تتمسك بالأمل والعدالة.
وانشغل العديد من السوريين على منصات التواصل الاجتماعي بتلك الوثائق، إذ يبحثون عن ذويهم المفقودين، كما جرى تسريب الصور الجديدة من قبَل عقيد سابق، كان يرأس وحدة حفظ الأدلة في الشرطة العسكرية بدمشق.
وصُوِّر الضحايا في صناديق عربات السجن أو على الأرض، وكثيرًا ما بدت عليهم علامات الجوع وسوء التغذية والضرب والإهمال الطبي، ووُضعت جثث بعضهم مكدسة كالخشب أو غطاها الذباب، آلاف منهم مجهولون، ونُقلوا إلى مقابر جماعية، تاركين عائلاتهم دون أي سجلات توثق كيف أو متى مات أحباؤهم.