وليد خيري يكتب: فلسطين والفتنة الكبرى.. صرخة عماد سيد أحمد بضرورة الوحدة قبل التحرر

كتب: editorschief

وليد خيري يكتب: فلسطين والفتنة الكبرى.. صرخة عماد سيد أحمد بضرورة الوحدة قبل التحرر

وليد خيري يكتب: فلسطين والفتنة الكبرى.. صرخة عماد سيد أحمد بضرورة الوحدة قبل التحرر

ما يقدمه الكاتب عماد سيد أحمد في كتابه البارز "فلسطين والفتنة الكبرى"، والصادر عن روافد للنشر والتوزيع هذا العام، ليس مجرد سرد للأحداث المؤسفة التي عصفت بالقضية الفلسطينية في العقود الأخيرة، بل هو تشريح عميق ولغة تحليلية عميقة تحذر من خطورة الانزلاق نحو الهاوية.

يتميز طرح الكاتب بكونه نتاج عمل متواصل يومي امتد لعشر سنوات (من 2000 إلى 2010)، اعتمد فيه على الاتصال الدائم بالمنظمات الفلسطينية المختلفة وقياداتها الفاعلة على الأرض، مستنداً إلى المقابلات والبيانات الخاصة والوثائق. هذه الشفافية في المتابعة هي ما يعطي الكتاب أهميته القصوى.

لقد نجح عماد سيد أحمد في تقديم جهد دؤوب يتابع فيه قصة "موقعة غزة" وخلفياتها المعقدة، مستعيناً بكم هائل من المعلومات التي أخضعها لعملية غربلة وتنقية صعبة، نظرا لغياب المعلومات الموثقة وتضارب الروايات. إن الإشادة بطرح الكاتب واجبة، فهو لم يكتفِ بالوصف، بل سعى لإجلاء الحقيقة الكامنة وراء التحول الذي كاد يسدل الستار على قضية بحجم فلسطين.

إن قضية فلسطين بالنسبة للأمة العربية ليست مجرد ملف سياسي أو نزاع حدودي، بل هي قضية مركزية ورمز النضال الوطني ضد الاستعمار. إنها القضية التي تشكل اختبارا حقيقيا لكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد أدركت الأقطار العربية، وعلى رأسها مصر والمملكة العربية السعودية، الثقل الروحي والسياسي للقضية.. ولطالما عُرفت شخصيات عربية رفيعة بحرصها الشديد على وحدة الصف الفلسطيني، نظرا لإدراكها أن القضية الفلسطينية لا تحتمل عبء الانقسام الداخلي الذي بات أكبر من عبء الاحتلال الإسرائيلي نفسه. وقد انعكس هذا الإدراك في الجهود العربية الكبيرة التي بُذلت في مكة المكرمة لحقن الدماء وإنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس. إن الاهتمام بقضية بهذا الحجم هو واجب وطني.

إن الانقسام الفلسطيني الجذري الذي شهده التاريخ الحديث، ليس كغيره في تاريخ النضال الوطني. لقد فصل جغرافياً بين المنطقتين الباقيتين من فلسطين، مما جعل الشعب يقع بين مطرقة الاحتلال والحصار وسندان القمع والقهر الداخلي. إن هذا العمل يساهم في فهم حقيقة ما حدث حينما أصبح التناقض بين الفصائل ثانويا، بينما طغى تناقض كل منهما مع العدو الحقيقي الذي يحتل الأرض. وفي النهاية، لا يعفي هذا الإدراك من أن تكريس الانقسام يعني حتما تسرب إحدى أكبر قضايا التحرر الوطني بلا وعد ولا عدل.

لقد أوضح الكاتب كيف أن التناقض الفلسطيني قد تجاوز السياسي والأيديولوجي إلى فصل جغرافي. فبدلا من أن يستقل الفلسطينيون عن إسرائيل، "استقل" طرفان متصارعان عن بعضهما البعض. يبدأ الكتاب بتحليل عميق لنتائج أحداث الحادي عشر من سبتمبر وانعكاساتها على الوضع الفلسطيني، وكيف استغل الاحتلال فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية لفرض خطة وضعتها الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد)، هدفها تغيير هيكلية النظام الفلسطيني. وقد كشف الكاتب ببراعة عن خطة "إفرايم هاليفي" رئيس الموساد الأسبق، التي تبناها شارون عام 2002 لإضعاف ياسر عرفات ونقل صلاحياته إلى رئيس وزراء صوري. والمدهش، أن عواصم عربية وافقت على الخطة الإسرائيلية كما هي، دون أي تحفظ. هذه المعلومة، التي يقدمها الكاتب بجرأة، تضيء حجم التحديات التي واجهت الفلسطينيين، حيث باتوا يخضعون لـ"روشتة علاج" وصفها لهم عدوهم.

لقد أشار الكتاب إلى اللحظات المحورية التي فجرت الصراع الداخلي. فبعد رحيل عرفات، الذي وصفه الكاتب بأنه كان يعتمد "الفوضى كوسيلة حكم" لإبقاء نفسه كقائد، كان هناك فراغ ملأه محمود عباس بخطته لإنهاء فوضى السلاح. لكن فوز حماس في الانتخابات عام 2006، وتحولها من حركة معارضة إلى حكم، فجر الأزمة.

يوضح الكاتب أن حماس اتخذت قرار المشاركة في الانتخابات بعد سنوات من الرفض، معتبرة أن هذا الخيار سيوفر الغطاء والحماية لخيار المقاومة المسلحة والكفاح. وقد استغلت الحركة بذكاء شديد الفساد الذي استشرى في مؤسسات السلطة، وحالة عدم الأمان التي شعر بها الجمهور، رافعة شعار "الإصلاح والتغيير". وكان من دلالات هذا الفساد ما أشار إليه الكاتب تفصيلا بـ "قضية فضيحة الإسمنت"، حيث تورط مسؤولون كبار في تسهيل تصدير الإسمنت إلى شركات إسرائيلية شاركت في بناء جدار الفصل العنصري.

لب الأزمة عندما وصف اتفاق مكة بأنه كان بمثابة "الخيط الروحي الكبير" الذي اختاره الملك عبد الله لحقن الدماء. لكن الصدمة الكبرى، التي وثقها الكاتب، كانت تجدد الصراع في أقل من شهر على الاتفاق، عندما قررت حركة حماس الانقلاب على السلطة في قطاع غزة، ووصل الأمر إلى إلقاء موظفين أحياء من الدور الحادي عشر. لقد نقل الكاتب صرخة اللواء حماد برهان رئيس الوفد الأمني المصري في حينه، الذي عبر عن صدمته بعبارة: "هل أصدق أن الأمر وصل إلى هذا الحد، أن يقتل الفلسطيني فلسطينيا، بينما العدو ما يزال يدمر ويقتل".

يصف الكتاب الفترة التي تلت سيطرة حماس على غزة بأنها "نيران شقيقة"، حيث تحول القطاع إلى عبء جديد على الشعب الفلسطيني. لقد أظهر الكاتب تباين الحسابات الفلسطينية آنذاك، بين من توقع فترة هدوء لبناء المؤسسات، ومن توقع اندلاع المواجهة مع الاحتلال، ومن حذّر من حرب أهلية. للأسف، تحقق السيناريو الأخير.

في خضم هذا الصراع، يسلط الضوء على المواقف المتشددة لقيادة حماس في الخارج، وتحديدا خالد مشعل، الذي أكد رفضه "شروط الرباعية" (نبذ العنف، الاعتراف بإسرائيل، الالتزام بالاتفاقيات) مفضلا الموت جوعا على الاستسلام. وقد وصلت حدة الانقسام إلى توجيه مشعل انتقادات لاذعة لـ"فتح" والرئيس عباس، متهما إياهم بالخيانة والتواطؤ.

يتابع عماد سيد أحمد بأسلوب نقدي تجربة غزة تحت حكم حماس، مشيرا إلى أن الحصار الدولي والاقتصادي المفروض على القطاع أدى إلى حالة من الفوضى وتدهور مؤلم. وقد كشف الكاتب عن تقارير اقتصادية تفيد بأن معظم سكان غزة باتوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية والتبرعات الخارجية، مما أدى إلى اقتصاد الإغاثة والتواكل، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي للفرد بصورة حادة. ورغم ذلك، ظلت حماس تتمسك ببرنامجها المتشدد، بل وتعمل على تفكيك الأجهزة الأمنية غير الحمساوية، لترسخ سلطة طويلة الأمد في القطاع.

وقد عرض الكاتب بالتوازي الخلافات المستفحلة بين حماس والقاهرة، التي كانت تخشى من هيمنة حركة إخوانية على غزة، ومن التدفق المحتمل للفوضى عبر الحدود. لقد كانت المخاوف المصرية حقيقية، خاصة بعد تفجيرات طابا ودهب، وما تلاها من اتهامات بتمويل حماس. إن اتهام مصر بـ"الخداع والنفاق" من قبل قيادات حماس، رغم جهود القاهرة المضنية للوساطة وفتح المعابر، يوضح حجم التوتر والتناقض الذي كان يسود الساحة.

في المقابل، يخصص الكاتب فصلا لدراسة مسار الضفة الغربية تحت قيادة محمود عباس وسالم فياض، الذي وصفه الكاتب بأنه مهندس مشروع دولة الأمر الواقع. وقد أشاد الكتاب بالفكرة التي تبناها فياض، وهي العمل على بناء المؤسسات رغم الاحتلال، لتعزيز صمود المواطنين وتحسين حياتهم. إن فياض، الذي جاء من خارج الهيكلية التقليدية لفتح وعمل في مؤسسات دولية، كان يدعو إلى "التنمية كمقاومة على الأرض".

لكن هذا المشروع واجه انتقادات حادة من حماس، وكذلك من قيادات فتح نفسها. وقد أظهر الكاتب كيف أن عباس، بعد انفراد حماس بغزة، عاد لاستخدام بعض أساليب عرفات، ومنها توظيف المال للسيطرة على قواعد فتح في الضفة. إن الكاتب، بوصفه خبيرا متابعا، يوضح أن هذا التوجه في الضفة كان المدخل الوحيد للرئيس عباس لفرض أمن نسبي، استعدادا لخطة إعلان الدولة، التي يراها أفضل من بدائل الحرب أو اللا سلم واللا حرب.

لقد أشار عماد سيد أحمد إلى التحديات الكبرى التي تواجه هذا المسار، وعلى رأسها الجدار العنصري وتزايد الاستيطان الإسرائيلي، مما يجعل مهمة إقامة دولة قابلة للحياة أصعب بكثير. وقد لاحظ الكاتب أن الموقف الإسرائيلي المتعنت، والذي يرفض وقف الاستيطان حتى في وجه المطالبات الأمريكية، يشجع الفلسطينيين على الانزلاق نحو اليأس.

يقدم الكاتب عماد سيد أحمد رسالة تحذيرية قوية: لقد تورطت حماس في الخطأ الذي تجنبته كافة الفصائل الفلسطينية لعقود طويلة، وهو التورط في صراع دموي داخلي. إن حماس وقعت في فخ "الفتنة الكبرى" عندما جعلت من نفسها أداة لصالح أجندات إقليمية، وعندما تعاملت بمنطق "الإمبراطورية" متجاهلة أن الشعب اختارها لمعاقبة فتح على الفساد لا لذاتها.

يخلص الكتاب إلى أن الوحدة، التي طالما كانت الشعار النبيل في طريق الخلاص من الاستعمار، قد أُهدرت في خضم الصراعات الداخلية وتغليب مصلحة التنظيم على مصلحة الوطن.

لقد أثبت الكاتب عماد سيد أحمد بأسلوبه الأنيق، وتحليله الموثق، أن هذا الكتاب هو وثيقة تاريخية لا غنى عنها لفهم جذور المأساة الحالية. إن رسالة الكتاب الواضحة هي أن الانقسام قد هزم الفلسطينيين أنفسهم، وأن "بدون غطاء عربي أو عمق استراتيجي متين، لا يمكن لأي فصيل فلسطيني أن يسلك خيار المقاومة أو المفاوضات دون أن يدفع الثمن". إنه صرخة مدوية بضرورة الاحتكام لصناديق الاقتراع في الضفة وغزة، والعدول عن كسب الوقت من أجل اكتساب المزيد من السلطة. إن العمل الذي أنجزه الكاتب هو بمثابة مرآة مصقولة تعكس لنا، نحن العرب، التكلفة الباهظة لتلك الفتن التي لا تبقي ولا تذر، وتجعلنا ندرك أن القضية الفلسطينية ما تزال هي بوصلة مصائرنا ومحك اختبار لكرامتنا الوطنية والإنسانية.


مواضيع متعلقة