لا عفو يمحو الدم.. ولا محكمة تغسل الجرائم
لم يعد «نتنياهو» يقاتل فى غزة فقط، بل يقاتل للبقاء خارج السجن، فملفات الفساد والدم تُطبق عليه من كل اتجاه، فعلى الرغم من بشاعة ما ارتكبه بنيامين نتنياهو بحق الفلسطينيين، من جرائم تخطت كل حدود الإنسانية ولم يشهد التاريخ مثلها، فإن الإعلام الإسرائيلى -للمفارقة- كان أفضل من نظيره العربى فى توصيف فظاعة ما فعله. فقد لخصت وسائل الإعلام الإسرائيلية المشهد بعبارة ساخرة لاذعة: هو كمن قتل والديه ثم يطالب بالعفو.
نعم، إن ما ارتكبه «نتنياهو» يفوق كل تصور، وها هو اليوم يقف أمام المحكمة بعد أن لجأ إلى وساطات وضغوط على الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب، ليتدخل لدى الرئيس الإسرائيلى إسحاق هرتسوغ لطلب العفو، إلا أن كل محاولاته باءت بالفشل حتى الآن.. تخيلوا!! أن رئيس أقوى دولة فى العالم يتقدم بطلب رسمى لإنقاذ مسئول يعيش نظامه السياسى على المساعدات الأمريكية نفسها.
وقف «نتنياهو» للمرة الأولى أمام المحكمة منذ أن طلب من الرئيس الإسرائيلى العفو عنه فى قضية الفساد التى تطارده منذ سنوات، إذ وُجهت إليه عام 2019 تهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وبدأت محاكمته فى عام 2020 ضمن ثلاث قضايا جنائية متشابكة، ومن المفارقات أن رئيس وزراء إسرائيل يتهم رسمياً بخيانة الأمانة، وهو أعلى منصب تنفيذى فى الدولة.
يقول ممثلو الادعاء إن «نتنياهو» منح شركة «bezeq» للاتصالات امتيازات تنظيمية قيمتها نحو 1.8 مليار شيكل مقابل الحصول على تغطية، وامتيازات إعلامية إيجابية له ولزوجته «سارة» عبر موقع إخبارى يديره شاؤول إلوفيتش، مما جعله يواجه اتهامات بالرشوة والاحتيال، كما اتُّهم مع زوجته بتلقى هدايا قيمتها نحو 700 ألف شيكل من المنتج الهوليوودى أرنون ميلشان والملياردير الأسترالى جيمس باكر، شملت زجاجات شمبانيا وكميات من السيجار الفاخر. مقابل خدمات وتسهيلات قدمها لهما نتنياهو فى مصالحهما التجارية، ويواجه أيضاً اتهامات بالتفاوض مع مالك صحيفة «يديعوت أحرونوت» للحصول على تغطية إيجابية فى مقابل سن تشريع لإضعاف صحيفة منافسة.
ومع ذلك، تبقى هذه التهم أقل بكثير من الجرائم التى ارتكبها فى غزة، من قتل للأطفال والنساء والشيوخ، وتدمير للمنازل فوق ساكنيها، وتجويع وحصار ومنع العلاج عن أهالى غزة.. جرائم حرب لا تحتاج سوى ضمير إنسانى حى ليطالب بإنزال أقسى عقاب على هذا الرجل الذى أشعل آلة القتل بلا رحمة.
أما بشأن موعد الحكم، فمن غير المرجح صدور قرار قريباً ما لم يسع «نتنياهو» إلى الإقرار بالذنب، إذ قد تستغرق الإجراءات شهوراً قبل أن يقول القضاء كلمته، والمثير للسخرية أن محاميه طلبوا من الرئيس «هرتسوغ» العفو بحجة أن حضوره المتكرر للمحكمة يعطل أداء مهامه، ولا نعلم ما هى هذه المهام تحديداً؟ هل هى إدارة آلة الحرب التى تقتل الأبرياء، أم الاستمتاع بالشمبانيا والسيجار اللذين تلقاهما كرشوة؟
العفو فى إسرائيل عادةً لا يُمنح إلا بعد انتهاء المحاكمة وإدانة المتهم، ولا توجد سابقة فى التاريخ القضائى الإسرائيلى للعفو أثناء المحاكمة، كما أن القانون الإسرائيلى لا يجبر رئيس الوزراء على الاستقالة ما لم يُدن، وحتى بعد الإدانة يمكنه البقاء فى منصبه طوال فترة الطعن القانونى.
وتصل عقوبة الرشوة إلى السجن عشر سنوات، بينما يعاقب على الاحتيال وخيانة الأمانة بالسجن حتى ثلاث سنوات، ورغم خطورة التهم، فإن الحرب التى اندلعت عقب عملية «طوفان الأقصى» فى أكتوبر 2023 دفعت ملف محاكمة نتنياهو إلى الهامش مؤقتاً، قبل الحرب.. كانت قضاياه القانونية سبباً فى انقسام عميق داخل المجتمع الإسرائيلى وأربكت المشهد السياسى عبر خمس جولات انتخابية، وبعد فوزه فى انتخابات 2022، شنّت حكومته اليمينية المتطرفة حملة لتقليص صلاحيات القضاء، مما أشعل احتجاجات واسعة ومخاوف لدى الحلفاء الغربيين على مستقبل الديمقراطية، ورغم تراجعه مؤقتاً عن مشروعه فى بداية الحرب، عاد أخيراً ليُصعد خطابه ضد القضاء، فى تذكير واضح بأن معركة نتنياهو الحقيقية ليست فقط على جبهات غزة، بل أيضاً داخل قاعات المحاكم.
فى النهاية، قد يراهن «نتنياهو» على القوة أو على دعم حلفائه أو على مناورة جديدة تؤجل سقوطه، لكن كل ذلك لا يغير حقيقة واحدة: أنه يقف اليوم فى مواجهة أكبر محاكمتين فى حياته؛ محكمة القانون التى تطارده بتهم الفساد، ومحكمة التاريخ التى لن تغفر له ما فعله فى غزة.. قد ينجو من الأولى بحيلة، أو بمساومة، أو بضغط سياسى، لكن الثانية لا مهرب منها، فدماء الأبرياء لن تسقط بالتقادم.. والجرائم التى ارتكبها لن تمحى بخطاب ولا بتهديد، ومع كل خطوة يخطوها نحو قاعة المحكمة، يتأكد أن سقوطه لم يعد سؤالاً بـ«متى»، بل أصبح سؤالاً بـ«كيف» و«إلى أى مدى» سيكون مدوياً؟.