فى خطوة تؤكد ريادة الصناعات الدفاعية المصرية، كشف المهندس محمد خالد، رئيس القطاع الفنى للشركة العربية العالمية للبصريات، إحدى شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، عن طفرة تكنولوجية هائلة تشهدها منظومات التسليح المصرية، معلناً عن دخول تقنيات «الذكاء الاصطناعى» لأول مرة فى أجهزة الرؤية والمراقبة، واقتحام مصر لمجال تصنيع «أنظمة إدارة نيران الدبابات»، وهو المجال الذى كان حكراً على عدد محدود من الشركات حول العالم. وأكد المهندس محمد خالد، فى حوار خاص لـ«الوطن»، على هامش مشاركة الشركة فى معرض الصناعات الدفاعية، أن توجيهات القيادة السياسية والقيادة العامة للقوات المسلحة تضع «توطين التكنولوجيا» كشرط أساسى لأى تعاقدات، مشيراً إلى أن الشركة نجحت فى الوصول بنسبة التصنيع المحلى فى بعض المنتجات إلى 100%، وإلى نص الحوار:
.رئيس القطاع الفني بـ«العالمية للبصريات»: مصر تقتحم «نادي الكبار» في أنظمة إدارة وإطلاق «نيران الدبابات»
.رئيس القطاع الفني بـ«العالمية للبصريات»: مصر تقتحم «نادي الكبار» في أنظمة إدارة وإطلاق «نيران الدبابات»
تصوير - محمد مدين
■ تشارك الشركة العربية العالمية للبصريات بصفة دائمة فى المعارض الدفاعية.. ما هى فلسفتكم فى العرض هذا العام؟ وما هى أبرز التقنيات الجديدة التى حرصتم على تقديمها لخدمة القوات المسلحة؟
- نحن بالفعل حريصون فى كل دورة للمعرض على تقديم كل ما هو جديد، ومجال تخصصنا الأساسى هو «أجهزة الرؤية» بمختلف طيفياتها، سواء الأجهزة النهارية، أو الليلية، أو الحرارية، بالإضافة إلى أجهزة المراقبة المتطورة، وتتسم تطبيقاتنا بالمرونة الشديدة؛ حيث يمكن تركيب أجهزتنا على الأسلحة الفردية، أو منصات إطلاق الصواريخ، أو استخدامها كأجهزة مراقبة محمولة يدوياً أو مثبتة على حوامل.
أما الجديد والمتميز هذا العام، فهو أننا بدأنا فعلياً فى إدخال تكنولوجيا «الذكاء الاصطناعى» ودمجها داخل أنظمة الرؤية والمراقبة، والهدف من ذلك هو ألا يعتمد الجهاز فقط على عين العنصر البشرى، بل يتحول الجهاز إلى «مساعد ذكى» للرامى أو حامل الجهاز، يساعده بشكل فعال فى التعرف على الأهداف وفلترتها وتصنيفها بدقة عالية.
تطوير أنظمة الرؤية لتتحول من مجرد «عين» للجندى إلى «عقل»
■ وكيف تساهم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى التى أضفتموها للأجهزة فى مساعدة الجندى ميدانياً؟
- الفكرة تكمن فى «الفلترة» والتحليل التلقائى للمشهد، وعلى سبيل المثال، الجندى الذى يراقب الحدود قد يمر أمامه العديد من الأجسام المتحركة؛ تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى التى زوَّدنا بها الأجهزة قادرة على التمييز؛ فإذا رصدت حيواناً أو دابة، يدرك الجهاز أنه هدف غير ذى أهمية فلا يشغل بال الجندى ولا يعطى إنذاراً.
ولكن، فى المقابل، إذا رصد الجهاز شكل «عربة» أو هدفاً معادياً مسجلاً فى قاعدة بياناته؛ فإنه يبدأ فوراً فى عملية «التتبع» وتنبيه المستخدم، وهذا يرفع من كفاءة المراقبة ويقلل من الجهد الذهنى والبدنى الواقع على الجندى، ويضمن سرعة رد الفعل تجاه التهديدات الحقيقية.
■ لاحظنا تطوراً فى شكل المنتجات من مجرد «جهاز» إلى «منظومة».. هل يمكن أن تشرح لنا طبيعة هذا التحول فى استراتيجية التصنيع؟
- انتقلنا من مرحلة تصنيع جهاز يؤدى وظيفة واحدة، إلى تصنيع «أنظمة متكاملة» (Integrated Systems)، سواء كانت محمولة أو مثبتة على الأسلحة؛ فالمنظومة الحديثة لم تعد مجرد جهاز رؤية ليلى فقط، بل أصبحت تتكون من عدة أجزاء مدمجة؛ حيث نضيف إليه «مُقدِّر مسافة بالليزر»، وحسَّاسات دقيقة لقياس الحرارة والرطوبة وسرعة الرياح، ويتم تجميع كافة هذه البيانات ومعالجتها داخل الجهاز، لتظهر للرامى فى النهاية «علامة تنشين» دقيقة ومحسوبة إلكترونياً، مما يساعده على الضرب بسرعة فائقة ودقة متناهية، لضمان الإصابة من الطلقة الأولى.
■ تردَّد أن الشركة اقتحمت مجالاً تصنيعياً صعباً وهو «إدارة نيران الدبابات».. ما حقيقة هذا الأمر؟
- هذا أحد أهم إنجازاتنا الحالية؛ فمجال تصنيع «أنظمة إدارة نيران الدبابات» هو مجال دقيق جداً ومعقد، والشركات التى تعمل فيه وتتقنه حول العالم محدودة للغاية؛ فالدبابة، لكى تحقق إصابة دقيقة، تحتاج إلى نظام كمبيوتر متطور جداً يتم تغذيته بمدخلات وبيانات معقدة، ليقوم النظام بتوجيه المدفع آلياً فى الاتجاه السليم.
بدون هذا النظام، قد يضطر الرامى للتنشين والضرب أكثر من مرة، مما قد يؤدى لكشف مكانه للعدو، ونحن فى الشركة العربية العالمية للبصريات اقتحمنا هذا المجال الصعب، ونجحنا فى إنتاج نظام مصرى لإدارة النيران، وتمت تجربته واختباره فعلياً مع القوات المسلحة المصرية وحقق نجاحاً متميزاً جداً، ونحن الآن فى سبيلنا لتعميم هذا النظام، وبحثنا بالفعل شراكات لتصديره لشركات فى دول عربية شقيقة.
■ التعاون الدولى جزء أصيل من الصناعات الدفاعية.. ما هى طبيعة الشراكات التى تعقدونها مع الشركات العالمية؟
- نحن نؤمن بأهمية الشراكات لنقل التكنولوجيا. لدينا شراكة استراتيجية مع شركة «تاليس» (Thales) العالمية، وهى فى الأصل شريك فى الشركة العربية العالمية للبصريات بنسبة 49%، بينما يمتلك الجانب المصرى 51%. هذه الشراكات مع كيانات عالمية كبرى تمكننا من إضافة تكنولوجيات متطورة جداً لمنتجاتنا، مثل تكنولوجيا «الصواريخ الموجهة بالليزر».
كما أن لدينا شراكات مع شركات أوروبية أخرى لتركيب أنظمتنا البصرية والملاحية على «لنشات بحرية غير مأهولة»، وهذه اللنشات يمكننا التحكم فيها عن بُعد لمسافات تصل إلى 200 كيلومتر، وتم اختبار هذه النماذج بالفعل، ودخل بعضها الخدمة، بينما لا يزال البعض الآخر فى طور الاختبارات النهائية والاعتماد؛ حيث لا يتم التعاقد الكبير إلا بعد الإقرار الفنى والعملياتى الكامل لصلاحية المنتج للخدمة فى مصر.
■ هل يمكننا القول إن المعرض يضم منتجات مصرية خالصة من الألف إلى الياء؟
- بالتأكيد؛ فنحن نعرض فى جناحنا هذا العام حوالى 15 منتجاً رئيسياً، أستطيع أن أؤكد لك أن أغلبها، وتحديداً أجهزة التنشين والمراقبة وتنشين الأسلحة، وهى مصرية بنسبة 100%، تصميمنا وتنفيذنا بالكامل ولا يوجد بها أى مسمار مستورد.
توجيهات القيادة السياسية: لا استيراد إلا للضرورة والأولوية لتعميق التصنيع المحلى والتصدير
■ كيف تخططون لزيادة هذه النسب مستقبلاً؟ وما دور قطاع البحوث والتطوير لديكم؟
- نحن لا نعتمد فقط على الشراء أو التجميع، بل لدينا استراتيجية واضحة للتوطين؛ فقسم «البحوث والتطوير» نستثمر فيه مبالغ كبيرة ونستقطب أكفأ المهندسين؛ فحتى عندما نتعامل مع شركات عالمية فى تكنولوجيات تفوق قدراتنا الحالية، يكون الاتفاق قائماً على مراحل؛ فنبدأ بالتجميع، ثم ينقلون لنا التكنولوجيا تدريجياً، ونحن نخطط أنه خلال 3 سنوات، أى تكنولوجيا جديدة ندخلها تكون مملوكة لنا بالكامل ونصنعها محلياً.
■ فى الختام.. ما هى التوجيهات التى تتلقونها من القيادة السياسية والقيادة العامة للقوات المسلحة بشأن الصناعة الدفاعية؟
- التوجيهات مستمرة، ولا أبالغ إن قلت إنها شبه يومية، وجميعها تصب فى اتجاه واحد وهو «توطين وتعميق التصنيع المحلى»؛ فعندما نطلب التصديق على أى مشروع أو منتج لصالح القوات المسلحة، أول ما يتم سؤالنا عنه هو: «كم نسبة المكون المصرى؟ وما حجم التكنولوجيا المصرية فيه؟»، وإذا كان الأمر مجرد شراء من الخارج، يتم الرفض الكامل، إلا فى الحالات الحرجة جداً، وفى المقابل، إذا كنا نطلب استيراد خامات أو مكونات تساعدنا على التصنيع والإنتاج المحلى، نجد الدولة تذلل لنا كل العقبات وتدفعنا بقوة فى هذا الاتجاه لرفع نسب التصنيع المحلى إلى أقصى مدى ممكن.
المنتج المصري
بالنسبة لمنتجات «الرؤية النهارية»؛ فنحن نصنعها فى مصر بنسبة 100% دون الحاجة لاستيراد أى مكون من الخارج، أما بالنسبة لأجهزة «الرؤية الليلية»؛ فالأمر يختلف قليلاً بسبب مكون واحد فقط وهو «أنبوب تحويل الرؤية»، فهذا المكون تحديداً يحتكره عدد محدود من الشركات، والعالم كله يُضطر لشرائه منهم؛ فباستثناء هذا المكون، نحن نقوم بتصنيع باقى الجهاز بالكامل، لتصل نسبة التصنيع المحلى فى الأجهزة الليلية إلى أكثر من 80%.