إسرائيل وبلطجة القوة
رغم اتفاق السلام في غزة والذي شهد عليه دول كبرى واحتضنته مصر، إلا أن إسرائيل تواصل انتهاك الاتفاق وتستمر في قتل الفلسطينيين غير آبهة بما وقعته أو ضمنه الاتفاق. تصر إسرائيل على إنكار حقوق الشعب الفلسطيني، بل وتسعى إلى تكريس عدم وجود ما يمسى الفلسطينيون من الأصل وأن فلسطين أرض بلا شعب واليهود شعب بلا أرض، وبذلك يحق لليهود احتلال هذه الأرض والخروج بمزاعم أنها أرض الميعاد. ووصل الأمر بإسرائيل بإنكار أي وجود للفلسطينيين، كما فعلت من قبل أمريكا وبريطانيا وفرنسا عندما استعمروا القارة الأمريكية وأستراليا والجزائر.
إن التاريخ الإنساني ملي بالمآسي، وقد شهد تكرارا لأساليب استعمارية متشابهة تقوم على إنكار وجود الشعوب الأصلية، وتقديم المحتل نفسه بوصفه المكتشف أو المتحضر الذي يأتي إلى أرض بلا شعب، بينما الواقع يظهر شعوبا متجذرة عاشت على أرضها لآلاف السنين. هذه الآلية ليست مجرد خطاب سياسي، بل هي استراتيجية استعمارية متكاملة تسهم في شرعنة الاحتلال وإسكات حقوق الشعوب الأصلية في الأرض والهوية. إن إنكار الوجود الأصلي للشعب المستعمر، أسلوب مشترك بين المشاريع الاستعمارية.
زعم الأوروبيون المطاريد من بلادهم عندما حطوا على القارة الأمريكية أنهم اكتشفوا القارة، بينما هي بلاد لها سكان وفيها حضارات سابقة على حضاراتهم وبها ملايين السكان الأصليين.
لكنهم تجاهلوا وجود شعوب متطورة مثل، الهوبي، النافاهو، السيو، المايا، وغيرهم من أصحاب حضارات امتدت لآلاف السنين. تم تصوير الأرض كأنها خالية، رغم أن السكان الأصليين كانوا يعيشون فيها بمدن ونظم اجتماعية كاملة. كان هذا الإنكار تمهيدا لمصادرة الأرض وإبادة شعوب كاملة فيما يعرف اليوم بالإبادة الجماعية للسكان الأصليين.
هكذا فعل الاستعمار الفرنسي في الجزائر، إنكار وجود الشعب الجزائري، فعندما احتلت فرنسا الجزائر عام 1830، روجت لفكرة أن الجزائر ليست دولة وليست شعبا، وأنها مجرد مناطق متناثرة تحتاج لمن يؤسسها. رغم أن الجزائر كانت تمتلك إمارة منظمة (الدولة العثمانية في الجزائر) وكان الشعب الجزائري ذا هوية عربية – أمازيغية واضحة، وكانت هناك مدن مزدهرة كـقسنطينة والجزائر و وهران. قال الجنرال بيجو إن الجزائر أرض بلا شعب، ونحن هنا لخلق الشعب. هذا الإنكار كان غطاء لقرن وثلث من القمع والاستيطان والتجريد من الملكية.
والآن إسرائيل تبذل جهودها لتكريس مقولة، أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وهو من أكثر الشعارات الاستعمارية وقاحة للحركة الصهيونية. لكن التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا تثبت وجود الفلسطينيون منذ قرون طويلة، ووجود مدن فلسطينية عريقة مثل القدس، يافا، حيفا، نابلس ومؤسسات تعليمية وتجارية ومجتمع زراعي وتجاري وثقافي متكامل. لكن الخطاب الإسرائيلي الحديث يكرر إنكار وجود الشعب الفلسطيني كشعب ذي حقوق وطنية، رغم أن الفلسطينيين متجذرين تاريخيا وثقافيا في أرضهم.
يلجأ الاستعمار إلى إنكار وجود الشعوب لتقليل المسؤولية الأخلاقية كما أن إنكار الشعب يعني إنكار الجريمة؛ فإذا لم يكن هناك شعب، فلن تكون هناك سرقة أرض أو اقتلاع. وكذلك لتبرير الاستيطان والاستيلاء على الموارد فعندما تصور الأرض بأنها خالية، يصبح الاستيلاء عليها مشروعا في الخطاب الاستعماري. ولطمس الهوية الأصلية وتفكيك المجتمع. و يهدف الخطاب الاستعماري إلى فصل الإنسان عن تاريخه، ليبدو وكأنه طارئ وليس أصيلا.
لكن السكان الأصليين يجب عليهم مواجهة هذه الادعاءات باستخدام التاريخ الموثق من خلال السجلات الرسمية التي تثبت وجود الشعوب والخرائط القديمة، فالوثيقة أقوى سلاح ضد الرواية الاستعمارية. وكذلك بالحفاظ على اللغة والهوية والثقافة وكلها شهادات وجود.
اليوم تمتلك الشعوب المحتلة أو المضطهدة الخطاب الإعلامي والحقوقي وكذلك الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية، ودراسات الأكاديميين والمؤرخين، وحتى العديد من الباحثين الغربيين هم أنفسهم يفندون السرديات الاستعمارية، ما يمنح الشعوب الأصلية قوة علمية في طرح قضيتهم.
إن استراتيجية إنكار وجود الشعوب الأصلية أحد أعمدة المشاريع الاستعمارية عبر التاريخ. تتكرر بأسماء مختلفة وأساليب مختلفة، لكنها تقوم على الفكرة نفسها، إذا أنكرت وجود الشعب، يمكنك إنكار حقه.
لكن الشعوب الأصلية في أمريكا، وشعب الجزائر، والشعب الفلسطيني، وأماكن أخرى أثبتت أن الهوية لا تمحى، وأن الوجود الحقيقي أقوى من أي خطاب استعماري. ومع استمرار التوثيق والمقاومة السلمية والسياسية والثقافية، تظل الحقيقة واضحة مهما حاول المستعمر طمسها. والمؤكد أن الحقوق تسترد بالمقاومة والنضال والقوة، فما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة.