محمود مرزوق يكتب: زيارة جديدة لدرب الأتراك
محمود مرزوق يكتب: زيارة جديدة لدرب الأتراك
يعلم من اعتادوا ارتياد أزقة وشوارع وحارات القاهرة القديمة أنها تتعرَّج وكأنها تكسر الملل عن المارَّة لطولها الشديد، حتى إن السائر خلالها يفاجأ كل حين ببروزٍ يعترض طريقه موحياً إليه بأن الحارة ستنتهى بعد قليل، فما إن يصل حتى يفاجأ بأنه مجرد منعطفٍ إلى اليمين أو اليسار. لكن هذا التفسير الجمالى لا يمثل سوى جزءٍ هامشى من الواقع الاجتماعى والاقتصادى الذى شكَّل جغرافية هذه الأماكن.
فالشكل المتعرِّج لحارات القاهرة القديمة، مثل درب الأتراك جوار الجامع الأزهر، لم يكن لإزالة الملل فحسب، بل كان يخدم أغراضاً عملية معقَّدة. فدرب الأتراك وغيره من دروب الباطنية، مثل حارة الروم، وحارة الديلم، وحارة شق العرسة، وحارة النبوية، وحارة زويلة، كانت جميعها ملاذاتٍ آمنة لتجَّار «الممنوعات». فى هذه الحوارى تكثر الانعطافات، مما كان يُصعِّب مهمة الشرطة؛ فكانوا يُضطرون للدخول مترجِّلين دون سياراتهم، ومن عطفةٍ لعطفةٍ يكون خبر الضبطية قد انتشر، فيجد التجَّار وصبيانهم فرصاً كثيرة للاختباء أو الزوغان أو التخلص من جسم الجريمة. كما أن كثرة الخرابات والهديم فى المنطقة كانت توفِّر مخازن مؤقتة فى اللحظات الحرجة. وقد انطوت هذه الصفحة بعد حملات تطهير عديدة ومجهودات مضنية قامت بها الشرطة، فعاد لهذا الدرب كثيرٌ من بهائه ورونقه التاريخى العريق.
أما عن سبب تسمية درب الأتراك بهذا الاسم، فالإجابة نجدها لدى المؤرخ تقى الدين المقريزى، الذى يحكى أن «هفتكين الشرابى» عندما وصل القاهرة ومعه أولاد مولاه «معز الدولة البويهى»، سكنوا الحارة المتاخمة للأزهر، فُعرفت بدرب الأتراك. وقصة هفتكين مثيرة فى ذاتها؛ فقد أعلن الحرب على المعز لدين الله الفاطمى، وكان هدفه إقامة الخطبة العباسية فى القاهرة ونزع الشرعية عن دولة الفاطميين الناشئة. وكان بنو العباس يشعرون بألمٍ عظيم جراء اقتطاع مصر من جسد خلافتها الزاهرة طوال عصر الدولة الفاطمية. غير أن العزيز بالله ابن المعز نجح فى الظفر به وبأتباعه، فدخلوا القاهرة أسرى وطيف بهم كالمعتاد، لكن العزيز بالله أكرمه، فعاش هفتكين فى درب الأتراك معززاً مكرَّماً حتى وفاته. وحزن العزيز بالله عليه واتهم وزيره يعقوب بن كلس بأنه دسَّ له السم، لأن هفتكين كان يترفَّع ويتعالى على ابن كلس الوزير الفاطمى. لكن العزيز بالله، لطيب قلبه، أصدر عفواً عن يعقوب بن كلس وأخرجه من السجن.
وكان فى درب الأتراك نشاطٌ قديم لا يزال مستمراً إلى اليوم، وهو كونه مقراً للورَّاقين وتجار الكتب والمخطوطات، وهذا النشاط جزء من التاريخ الحى للمدينة، ويشكِّل أحد أوجه تفرُّد القاهرة مدينةِ التواريخ الكثيرة؛ بعضها تواريخُ صغيرة، وبعضها تواريخ غير مرئية، بعضها مسطور فى كتب التاريخ مثل حكاية هفتكين، وبعضها محفوظ فى صدور العامة.
واللافت فى تاريخ درب الأتراك أنه شاهدٌ على أجناسٍ مختلفة سكنت مصر على مر قرون طويلة، واليوم اختلف المشهد فى تفاصيله، لكنه ليس بعيداً عن الصورة القديمة؛ فالمنطقة مكتظة بطلاب الأزهر الوافدين من بلدان شرق آسيا للدراسة، وقد انسجموا فى المكان وأصبحوا جزءاً من مكوناته، حتى إن بعض محال البقالة تبيع أكلاتٍ ومقبلاتٍ إندونيسية أو ماليزية.
هذه الاستمرارية فى كون المكان ملاذاً للقادمين من بعيد، سواء كانوا أتراكاً فى العصر الفاطمى أو تجار كتبٍ ومخطوطات أو طلاب علمٍ من جنوب شرق آسيا، تكشف أن للمدينة ذاكرةً أعمق من التفسيرات الجمالية البسيطة. ولذا فإن درب الأتراك يمثل صفحة من طبقاتٍ متراكمة من التاريخ الاجتماعى والاقتصادى والثقافى، وشاهداً على تحولات المدينة وثبات جوهرها الذى يستوعب جميع الثقافات الوافدة عبر العصور.