اللغة والفلسفة (2)
يرى د. مجدي الجزيري أن هناك عدة اتجاهات في فهم اللغة وتوظيفها، الأول يتعامل معها كعلم في حد ذاتها، والثاني يعتبرها أداة أدبية في مختلف تشكلاتها البليغة، بما دفع البعض إلى القول إن الأدب هو تشكيل جمالي للغة، والثالث يعتبرها وسيلة للتواصل حتى في العلوم الطبيعية والرياضية، ثم يقول: «إذا كانت الفلسفة باعتبارها نظرة عقلية فاحصة للعديد من قضايا وموضوعات اهتمامنا فإنها لا يمكن بطبيعة الحال أن تتجاهل موضوع اللغة، وإذا كانت الفلسفة قد اتجهت إلى العلم فقدمت فلسفة العلم، واتجهت إلى التاريخ وقدمت فلسفة التاريخ، واتجهت إلى الفن وقدمت فلسفة الفن، فإن اتجاهها إلى اللغة لا يمكن أن يكون اهتمامًا هامشيًا عرضيًا، بل هو اهتمام أصيل جوهري، وليس هناك ظاهرة أكثر ارتباطاً بوجودنا الإنساني من ظاهرة اللغة، فنحن جميعاً نتكلم قبل أن نصبح علماء وفلاسفة».
ثم يعود ليحلل الصراع بين النزعتين الاسمية والإنسانية أو الاجتماعية فى حقل اللغة، إذ ترى الأولى أن اللغة مجرد صورة للعالم، لأنها تعطي المقابل للكلمات والأشياء والموضوعات، وبذا فلا مجال للبعد الإنساني والتفاعل الاجتماعي في تحديد المعنى. أما الثانية فترى أن الكلمات ليست هي التي تحدد معنى الأشياء، وإنما البشر أنفسهم هم الذين يفعلون هذا عبر الكلمات، ومن هنا فإن العبارة لا تمثل العالم إنما البشر حين ينطقون العبارات، ومن هنا فالناس هم الذين يصنعون اللغة، ولا تصنعهم اللغة.
وفي معرض انشغاله باكتشاف وتحديد علاقات التواصل والتفاعل والتداخل والتشاكل بين رؤية وموقف أي من منتجي الفكر والمعرفة وبين اللغة، يستعرض «الجزيري» ثلاث رؤى، الأولى يمثلها زكي نجيب محمود، وتذهب إلى أن اللغة العربية في حاجة إلى ثورة كي تخرج من عباءة البلاغة، والألفاظ المعجمية المهجورة لتعبر عن الواقع وتواكب متطلبات العلم الحديث. والثانية لعثمان أمين وترى أن اللغة العربية تعبر عن روح الأمة، والدفاع عنها هو دفاع عن الهوية العربية الإسلامية، وأنها لغة قوية ثرية متمكنة مكتفية بذاتها، بارعة في مشتقاتها وصوتياتها وتعبيراتها المحكمة، وليست في حاجة إلى دعم خارجي. والرؤية الثالثة يمثلها حسن حنفي الذي يرى أن اللغة العربية يغلب عليها الطابعان الديني والتاريخي، وهي لغة صورية مجردة، يرفضها العصر، وتحتاج إلى تجديد جذري، بحيث تكون لغة إنسانية عقلية قادرة على مخاطبة الأذهان، ومفتوحة لا قيود، بما يجعلها تقبل التغيير والتبديل في المفاهيم والمعاني، وتحوي مفردات دالة في الحس والمشاهدة والتجربة، وأن تكون لغة عربية وليست مستعربة.
وهناك رؤية يعرضها الجزيري في موضع آخر من دراساته حول تصور أنطون سعادة لدور اللغة في صناعة وترسيخ وجود الأمة الواحدة، حيث يرى أن وحدة اللغة إن كانت لا توجد الأمة من عدم، وتقررها، فإنها ضرورة لخلق تماسكها، لكنها يمكن أن تكون دافعًا لتعزز النزعة التوسعية مثلما رأينا في تجربة ألمانيا النازية، التي كانت اللغة واحدة من أسس تبنيها لنظرية «المجال الحيوي» إلى جانب وحدة السلالة، وهي نظرية تعني النهم إلى ضم كل الأقاليم التي تنطق بالألمانية أو ينتمي سكانها إلى العرق الآري، ثم إذابتهم في أمة لها قوام متماسك. لكن اللغة لا تصلح وحدها لتكوين أمة، وإلا ما قامت أمم يتحدث المنضوون تحت لوائها عدة لغات ولهجات. وإذا كان من الضروري أن تتحدث الأمة لغة واحدة فإنه ليس من اللازم أن تكون اللغة شرطًا وحيدًا وصارمًا لقيام أي أمة، وربما يكون الأهم هو الأدب الذي يبدعه متفردون منها، ليعبر عن روحها، ويحفظ مُثلها العليا.