جدية حماس هى ضامن تحولها السياسى

لينا مظلوم

لينا مظلوم

كاتب صحفي

اعتاد المجتمع الدولى على تصريحات الرئيس الأمريكى ترامب المتباينة مزاجياً. منذ حوالى شهر طرح بوضوح اسم المناضل الفلسطينى مروان البرغوثى كمادة للتفاوض مع الجانب الصهيونى حول إطلاق سراحه، حتى إن أفراد أسرة البرغوثى التقطت بارقة الأمل لمناشدة ترامب حسم هذا الملف الذى بدا يمثل مطلباً شعبياً بين الشخصيات العامة فى أوروبا بعد أن قام أكثر من 200 شخصية ثقافية وفنية بالتوقيع على رسالة تطالب بالإفراج الفورى عن «البرغوثى» الذى تجتمع الآراء حول كونه الشخصية الوحيدة القادرة على توحيد الفصائل الفلسطينية المختلفة، ما قد يشكل نقطة تحول فى مسار القضية الفلسطينية. المؤكد أن التعنت الصهيونى المستمر للإفراج عن «البرغوثى» يمثل إحدى العقبات التى تضعها إسرائيل أمام التوصل إلى اتفاق سلام يضمن حل إقامة الدولتين. «البرغوثى» لا يعتبر مصدر تهديد للأمن الإسرائيلى لكنه عنصر توافقى يقطع الطريق أمام الدور الذى يمارسه الكيان الصهيونى فى توحيد الصف الفلسطينى.

فى ذات سياق ملف المقاربة بين الفصائل الفلسطينية، يطرح ملف مستقبل حركة حماس التى التزمت حتى اللحظة بجميع بنود اتفاقية السلام التى وُقعت بشرم الشيخ، حيث كررت استعدادها التحول إلى حزب سياسى والانضمام إلى منظمة التحرير. من المبكر الجزم أن هذه الخطوة تمثل لحظة استنارة من طرف قادة حماس كدلالة على وجودها كجزء من السيناريو المستقبلى، إدراكها أن ذلك لن يتحقق عن طريق الجناح العسكرى وإنما ضمن تحولها إلى كيان سياسى مشارك خصوصاً أن الثقل السياسى والقيادى للحركة أصبح الأكثر تحكماً فى مساراته أعضاء المكتب السياسى. التوجه لا يفتح أبواب مشاركة حماس سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً، فى رسم الداخل الفلسطينى المقبل فقط، لكنه قد يسمح بإعادة رفع الفيتو الذى يضعه الغرب على أى قنوات اتصال مع الحركة التى بدأت إشاراتها مع الأنباء الواردة عن اتصالات غير مباشرة مع الإدارة الأمريكية.

حماس وجدت نفسها بعد تداعيات 7 أكتوبر 2023 أمام مسار واحد. مجاراة التحولات السياسية الإقليمية بما يحقق لها البقاء بحكم تاريخها كحركة مقاومة قدمت فى إطار هذا الدور الكثير للقضية الفلسطينية. إعلان الرغبة فى هذا التحول الإيجابى يستدعى موقفاً مماثلاً من السلطة الفلسطينية فى رام الله وهى بدورها تبدو بحاجة ماسة إلى مراجعة جذرية فى هيكل تنظيمها السياسى والدفع بقادة من الجيل الثانى أكثر مرونة فى التعامل مع القضايا الداخلية وحسم ملفاتها على الصعيد التفاوضى مع المجتمع الدولى.

اغتيال ياسر أبوشباب زعيم ميليشيا تضم مجموعة مرتزقة عُرفت باسم القوات الشعبية بعد انشقاقها عن تنظيم داعش والمدعومة والممولة من الأجهزة الاستخبارية الصهيونية، وفق ما أعلن عنه رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو ضمن بيانات دعمه لهذه الميليشيا، مشيراً إلى أنها قد تشكل البديل الأمنى فى قطاع غزة بعد إجلاء حركة حماس! يمنح فرصة للورقة التى قدمتها حماس الشهر الماضى متضمنة دعوة إلى إنشاء حزب سياسى مماثل لجماعات وأحزاب موجودة.

فى سياق ما ورد على موقع أكسيوس عن اعتزام ترامب الكشف عن هيكل الحكم الجديد فى قطاع غزة قبل نهاية العام الحالى من المرجح أن استبعاد حماس ومنظمة فتح من الخطة سيضيف المزيد من التعقيد على تطبيق المراحل المقبلة لخطة السلام، تحديداً أنها مرحلة تمهيدية لتهيئة المشهد السياسى الفلسطينى بعد المرحلة التالية وهو ما لن يتم بدون خلق مظلة تجمع تحتها الفصائل الفلسطينية المختلفة. خصوصاً أنه بالرجوع إلى تاريخ بدء مرحلة المفاوضات، دأبت إسرائيل على استغلال الانقسام بين حركتى فتح وحماس حتى تمنع نجاح أى حركة سياسية موحدة تحت هدف إقامة دولة فلسطينية الذى ترفضه حكومة اليمين المتطرف، ما يرجح أن بقاء الخلافات الفلسطينية سيمثل أحد عوامل عوائق خلق هذا الهدف. بالإضافة إلى أن حركة حماس ستكون موضع مراجعة ومراقبة على الصعيد الدولى والداخلى لضمان جدية استعداد حماس للانضواء ضمن الأحزاب السياسية.

تاريخ تطور حركات المقاومة الفلسطينية عرف تحولات عديدة حتى إن مؤسس حركة التحرير الفلسطينية «فتح» ياسر عرفات شجع على تنفيذ هجمات مسلحة ضد المستوطنين وقوات الاحتلال عام 1967 إذ تطورت استراتيجية المقاومة من انتفاضات الحجارة إلى المقاومة بإطلاق الصواريخ والعمليات التفجيرية وصولاً إلى مفاوضات أوسلو.