محمد سلامة يكتب: تاكسي!!

كتب: editor

محمد سلامة يكتب: تاكسي!!

محمد سلامة يكتب: تاكسي!!

نهار خارجى.. مشهد علوى «High Angle Shot» يعرض لنا ازدحاماً مرورياً أعلى كوبرى أكتوبر سرعان ما تنتقل الكاميرا سريعاً «Dissolve» إلى طريق المحور.. مئات السيارات امتدت على مدد «الشوف».. أضواء إشارات الفرامل «الحمراء» تبدو سيدة المشهد الذى ينقلنا إلى الطريق الدائرى فى تكرار ذات المشهد.. أرتال السيارات تغطى الطريق.. يبدو من أعلى كأنه ساحة انتظار فاضت بمن فيها.. تنتقل الكاميرا «Cut» سريعاً إلى وجه صاحبنا ينزل مهرولاً على سلالم أحد المبانى.. فى الخلف «يافطة» ضخمة بعرض المبنى تحمل اسم شركة متعددة الجنسيات «Multinational Company».. يقف صاحبنا حائراً ينظر فى ساعته.. «الموبايل» لا يفارق أذنيه كانه يتعجَّل رد الطرف الآخر على «المحمول».. يتمتم بكلمات غير واضحة كأنها شتائم يُلقى بها على مسامع الطرف الآخر.. ثوانى تهبط من أعلى أمام صاحبنا سيارة «التاكسى الطائر».. تقف بجوار الرصيف على مقربة منه.. يفتح باب السائق الذى يترجَّل منه مبادراً بالاعتذار عن التأخير.. يردد على مسامع صاحبنا «آسف يا فندم.. زى ما سيادتك شايف السما مزدحمة تماماً بالسيارات.. لا فرق بينها وازدحام السيارات على الطرق».. لا يعيره صاحبنا اهتماماً.. يفتح باب السيارة فى عنف.. يرتمى على المقعد الخلفى للسيارة التى سرعان ما تقلع لأعلى تاركة وراءها سحابة من الدخان الأبيض.. سنوات بل عقود أعتقد لا تتجاوز 3 عقود.. ربما تزيد قليلاً.. نهار داخلى مكتب رئيس الهيئة العامة للتصنيع دكتور مهندس عبدالفتاح منجى يقلب فى أوراق أمامه.. يبتسم ابتسامة تتحول إلى قهقهة تغطى المكتب على اتساعه... أتعجَّب من ضحكاته التى يبدو أنها وصلت إلى المكاتب المجاورة... أتساءل فى شغف شديد «ما الذى يضحكك هكذا؟!».

مد يده بملف على صغره طالباً منى قراءته.. على الغلاف كتب بخط عريض مشروع «التاكسى الطائر».. شدَّنى العنوان.. تفحَّصت أوراق الملف سريعاً.. مشروع مقدم من إحدى الشركات الأجنبية وقتها تعرض تدشين مشروع للتاكسى الطائر.. انتقلت إلىَّ عدوى الضحك.. نظرت إلى د. منجى -رحمه الله- الذى أومأ برأسه.. نعم «تاكسى طائر»... الكاميرا تنتقل إلى وضع «Fade Out» أعود معها إلى ذكريات أفلام «الكرتون» القديمة.. مشاهد السيارات الطائرة التى دوماً ما أشاهدها وفمى مفتوح على مصراعيه يُذكرنى بفم الفنان الراحل إسماعيل يس رحمه الله.. سيارات يزدحم بها الفضاء من كل شكل ولون.. حوادث تصادم تشتعل معها بعض السيارات التى تسقط متهاوية وسط خوف يعترينى.. تحاصرنى شفقة بركابها الذين عادة ما كانوا قططاً أو كلاباً أعشقها أو أبطال أفلام الكرتون من عينة «ميكى».. «ميمى».. «بطوط» حتى عصابة «دنجل» الشريرة.. ليل داخلى «Fast Cutting» أو «Quick Cut» مكتب بيضاوى داخل غرفة ضخمة تبدو من أثاثها فاخرة.

مجموعة من الرجال يرتدون «بدل» أنيقة للغاية.. بعض سيدات يرتدين ملابس باهظة.. حلى تتلألأ فى ضوء «النجف» باهظ الثمن الذى يزين سقف الغرفة.. أصوات تتعالى.. تردد مشروع هائل تأخر كثيراً.. أحدهم يهمس فى أذن من بجواره «عايزين نكون أول ركاب التاكسى الطائر».. تُخرج إحدى السيدات تنهيدة حارة.. تردد بصوت سمعه من بالغرفة «إمتى بقى نشوف مصر زى الدول الأخرى».. تُكمل «الواحدة مننا بتضيع نص عمرها فى زحمة المرور».. تردد بكلمات ولكنة فرنسية «Sauvage».. الشوارع فى مصر لا تطاق.. متوحشة.. منذ لقائى الدكتور مهندس عبدالفتاح منجى -رحمه الله- قبل عقود ثلاث أو أكثر قليلاً لم يدُر بذهنى وقتها «تعريفة» ذلك التاكسى الطائر.. ما شدَّنى يومها الفكرة التى رأيتها لا تخرج عن أفلام «كرتون» أدمنتها ولا أزال.. فكرة استغربتها كثيراً.. استبعدت يومها أن ترى النور لأسبابى الخاصة جداً التى تراها من نسج الخيال وقتها.. صدق ما توقعته.. تأخرت الفكرة عقوداً حتى جرى طرحها اليوم تحت نفس المسمى «التاكسى الطائر».

حاولت ولا أزال تخيُّل أسعار «تعريفة» ركوب ذلك التاكسى الطائر يومها قبل 3 عقود.. أرانى لا أتخيلها تمت بصلة إلى تلك الأسعار «الخيالية» لمشروع لا زال فى بداياته.. مشروع لو كُتب له النجاح وهو ما أتمناه «باب رزق» للكثير.. فرص عمل لطيارين.. مساعدين.. أطقم صيانة.. خدمات.. ترويج لأماكن سياحية من الصعب زيارتها كلها مع ضيق وقت السائح الذى غالباً لا يتجاوز أسبوعاً يندر أن يستطيع معه زيارة كل الأماكن السياحية التى تنتشر بطول وعرض مصر لمشاكل فى التنقل والانتقال من القاهرة على اتساعها إلى خارجها، خاصة الأماكن السياحية مثل الأقصر.. أسوان وغيرهما.

نظرة سريعة على أسعار ذلك التاكسى الطائر موديل هذا العام.. زيارة الأهرامات على سبيل المثال من داخل القاهرة 200 دولار للفرد «أقل من 10 آلاف جنيه قليلاً».. زيارة القلعة من داخل القاهرة 300 دولار للفرد «أقل من 15 ألف جنيه قليلاً».. بالتأكيد أسعار عالية جداً على سائح أغلبه «محدودى الدخل».. غالبية السائحين القادمين إلى مصر وفق بيانات الإنفاق التى توفرها هيئة التعبئة العامة والإحصاء يصل 140 دولاراً للسائح الأجنبى يومياً خلال زيارته القاهرة والأماكن الثقافية مثل المتاحف.. تتراوح للسائح الأجنبى أيضاً من 100 دولار إلى 120 دولاراً يومياً للأماكن السياحية بالشواطئ المصرية.. تتجاوز 300 دولار يومياً للسائح العربى.. الأمر الآخر الذى لا أدرى له سبباً لمَ يتم احتساب «تعريفة» الركوب لهذا التاكسى الطائر بالدولار فى مخالفة صريحة.. واضحة للمادة 111 من قانون البنوك 88 سنة 2003 بقصر التعامل فى عمليات الشراء والبيع للسلع والخدمات داخل مصر على الجنيه المصرى فقط دون غيره.. العقوبة حال مخالفة ذلك غرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه.. السجن مدة لا تتجاوز 10 سنوات.. مصادرة المبالغ والأشياء محل المخالفة أو الجريمة كما يصفها القانون.. استثنى القانون 88 سنة 2003 حالات يمكن سداد مقابلها بغير الجنيه المصرى بعملات أجنبية لا تخرج عن تملك غير المصريين العقارات.. سداد ضريبة القيمة المضافة فى بعض الحالات دون غيرها.


مواضيع متعلقة