أربعة قضاة رحلوا في لحظة مأساوية.. وداع لم يُكتب له حضور

كتب: محمود الجارحي

أربعة قضاة رحلوا في لحظة مأساوية.. وداع لم يُكتب له حضور

أربعة قضاة رحلوا في لحظة مأساوية.. وداع لم يُكتب له حضور

كانت الصورة التي جمعتهم قبل الرحيل أشبه بمشهد أخير لم يدرك أحد أنه وداع، أربع لقطات لرجال في عزّ شبابهم، كل منهم يحمل ملامح رجل اختار طريق العدل ومسؤولية خدمة الناس.
في إحدى الصور، يقف رجل أمام لافتة العدل بثبات لا يخطئه النظر، بدلة رسمية ونظرة واثقة لرجل يعرف تمامًا ما يحمله على عاتقه.
وفي صورة أخرى، يجلس زميله خلف مكتبه، بابتسامة خفيفة تقول إن الهدوء كان جزءًا من شخصيته. أما الثالث فظهر بربطة عنق مهندمة ووجهٍ يفيض بالجدية والاحترام.
بينما جاء الرابع في صورة إنسانية بسيطة خارج أروقة المكاتب، بابتسامة دافئة تُذكّر بأنه لم يكن مجرد قاضٍ بل ابن بيت وأخ وصديق.

أربعة وجوه، لم تكن مجرد صور، بل آخر ما تبقى من رجال توقفت حياتهم فجأة على طريق مختصر بين العمل والبيت.
ومع انتشار الخبر، لم يسقط فقط على أسرهم، بل ضرب قلب المنظومة القضائية بأكملها. ففي محكمة ديروط، بقيت المكاتب مفتوحة والكراسي في أماكنها، لكن أصحابها غابت خطواتهم التي اعتادت الأروقة سماعها، توقفت فجأة وتركت خلفها صمتًا يشبه الفقد.
محكمة أسيوط الابتدائية أصدرت نعيًا رسميًا حمل ألمًا لا يحتاج إلى شرح، ونقابة محامي المنيا نعَت رجال العدالة الأربعة، مؤكدة أن مصاب القضاء ليس حدثًا عاديًا، بل فقد موجع يهبط على كل من يعرف معنى العدالة.
كان المشهد الأشد قسوة هو دموع زملائهم، رجال اعتادوا مواجهة الملفات الثقيلة بصلابة، لكنهم وقفوا عاجزين أمام قضاء القدر.
رحل أربعة رجال كانوا يعودون من عملهم حاملين إرهاق يوم طويل، لم يتوقعوا أن الطريق إلى بيوتهم سيكون طريقهم إلى السماء. رحلوا دون وداع دون ابتسامة أخيرة أو كلمة تطمئن من ينتظرهم.
تركوا مقاعدهم فارغة ومكاتب تنتظر خطوات لن تعود، وبيوتًا تفتقد أصواتهم، وصورًا أصبحت شاهدة على أن العمر قد ينتهي في لحظة لكن الأثر لا ينتهي أبدًا.

عودة لم تكتمل.. وحكايات انكسرت على الطريق

في مساء الأحد الماضي، كانت البيوت الأربعة تتهيأ لاستقبالهم، وجبات معدّة، أطفال يترقبون صوت المفتاح في الباب، زوجات تتفقد الهواتف، وأمهات تراقبن الطريق وكأن الحب قادرٌ على إعادة الغائبين.
لكن الطريق الصحراوي الشرقي القديم جنوب المنيا كان يحمل قرارًا آخر.
بينما كانت سيارتهم الملاكي تُعيدهم من محكمة ديروط بمحافظة أسيوط، جاءت سيارة نصف نقل بسرعة زائدة لتقطع الطريق والقدر معًا.
اصطدام عنيف، لحظات من الفوضى ثم اشتعال كامل للسيارة. تحولت في ثوانٍ إلى كتلة لهب. ورغم وصول قوات الحماية المدنية، كانت النيران أسرع من الجميع.
لم تبقِ إلا أجسادًا متفحمة نُقلت إلى مستشفى ملوي التخصصي، حيث بدأت المرحلة الأصعب: تحديد الهوية.

وعند أبواب المشرحة، وقف الأهل بين خوف وصدمة، يترقبون نتيجة تحليل الـDNA، وكأنهم يريدون تصديق الرحيل وفي الوقت نفسه يهربون منه.

التحقيقات الأولية.. تفاصيل أمام مأساة مشتعلة

مع وصول بلاغ الحادث، تحركت الأجهزة الأمنية إلى الموقع، وكشفت المعاينة الأولية صورة موجعة: «تصادم مباشر بين السيارة الملاكي وسيارة نصف نقل، والسرعة الزائدة كانت سببًا أساسيًا، واشتعال كامل للسيارة التي تقل المستشارين، ووفاة أربعة رجال في اللحظة، وإصابة اثنين من ركاب السيارة الأخرى». وتم تحرير محضر رسمي بالواقعة، وإخطار النيابة العامة لمباشرة التحقيقات.

قرارات النيابة العامة.. محاولة لقراءة ما تبقّى من المشهد

باشرت النيابة العامة تحقيقاتها، وأصدرت قرارات عاجلة شملت التحفظ على السيارتين وفحصهما فنّيًا، وندب الطب الشرعي لإجراء تحليل البصمة الوراثية، والتصريح بدفن الجثامين عقب تحديد الهوية، وسماع أقوال المصابين والشهود، وفحص كاميرات الطريق، وإعداد تقرير كامل عن أسباب الحادث، إجراءات دقيقة لكنها تقف عند حدود القانون، بينما يقف الحزن بلا حدود.

رحل أربعة من رجال العدل في صمت.
رجال منحوا الناس حقوقهم، ولم يمنحهم القدر حق العودة إلى بيوتهم.
رحلوا وتركوا خلفهم قلوبًا مكسورة، وأطفالًا يتعلمون معنى الفقد مبكرًا، وأمهات ينتظرن بلا أمل وزملاء يقفون أمام مكاتب فارغة لا يشغلها أحد.

أربعة قضاة رحلوا في لحظة مأساوية.. وداع لم يُكتب له حضورأربعة قضاة رحلوا في لحظة مأساوية.. وداع لم يُكتب له حضور


مواضيع متعلقة