اللغة والفلسفة (4)

جعلت جاذبية كلمة «الاستغراب» حين لمست وتراً فى نفوس العرب والمسلمين الذين نظروا إلى الاستشراق باعتباره رأس حربة مشروع استعمارى، كثيرين يتحمسون لها، ولا يتوقفون طويلاً عند التناقض الذى ينطوى عليه الطرح الذى يخصها. وبذا صار «اللفظ» فى حد ذاته عندهم رداً كافياً شافياً، مع أن ما جاء تحته كعنوان عريض لا يكفى أبداً، كما أنه يظلم مدارس استشراق علمية بالفعل، وليست سياسية، وقد يجور على الاستفادة من حكمة ومنهج تفكير وتجربة مجتمع متقدم، هو نفسه استفاد من تجربة المسلمين السابقة عليه، أو يحول دون التقدم إلى إبداع مشروع بديل، بدلاً من الاكتفاء بالنقد، أو التوقف عند تفكيك الموجود دون الذهاب إلى تركيب أو بناء آخر.

ويعى الجزيرى هذه المسألة، ومن ثم طرح فى تصور قصير بعنوان «الغرب والإسلام بين إدوارد سعيد وعبدالوهاب المسيرى» نقداً لسعيد قائلاً: «مع قيمة وأهمية ودلالة وروعة فى تناوله علاقة الشرق بالغرب، لكنه لم يتجاوز مرحلة البحث والدرس والنقد والتنظير والنقد والتأهيل إلى مرحلة أخرى تقدم النموذج المعرفى البديل بصورة واضحة، والذى بإمكانه أن يحل محل نموذج العلاقة الاستشراقية بين الشرق والغرب»، ثم مدحاً للمسيرى باعتباره قد قدَّم «نموذجاً معرفياً بديلاً، يستفيد من العلم الغربى، ومن كل العلوم والتجارب الإنسانية، وينطلق فى الوقت ذاته من تراثنا».

وإلى جانب المصطلحين المتقابلين، يمكن أن يكون هناك مصطلح واحد يتم التعبير عنه لغوياً بطرق مختلفة، تقف وراء كل طريقة فلسفة أو نسق فكرى، رغم أن الناس يرددونه فى تسليم تام، وكأنه قد تم الاتفاق عليه بشكل نهائى وقطعى. وبوسعنا أن نستخلص هذا من رؤية الجزيرى لمفهوم «الثورة» فى فلسفات متعددة. فهو يشرح تجلياته فى نماذج مختلفة من الفكر الفلسفى، وكيف يقوم كل فيلسوف بجعل «الثورة» بُعداً من أبعاد نظرته الذاتية، سواء كان يقبلها أو يرفضها، يؤديها أو يناهضها، رغم أنها فى حقيقتها كثيراً ما تجاوزت هذه الأطر أو القوالب المحدودة التى كان يرمى كل فيلسوف إلى الإيهام بقدرته على إحكام قبضته عليها.

ويضع الجزيرى اللغة واحدة من الوسائل أو الأدوات التى يرصد بها تحولات ثورة يناير المصرية، ويقول هنا: «نحن لا نواجه الواقع مباشرة، بل نواجهه من خلال اللغة والفن والأسطورة والعلم والتاريخ»، وهو قول دقيق عميق، إذ إن كلاً منا لا يرى ما حوله بشكل مجرَّد، إنما من خلال ما استقرَّ فى رأسه من تصورات صنعتها التجربة والخبرة والثقافة والتفاعل مع الآخرين، وكل هذا لا يمكن أن يأخذ مكانه فى الذهن دون لغة، حتى لو لم نخرجه فى صيغة كلمات فى وقت تخزينه، فاللغة هى من يصفه ويضعه فى مكانه بمخ الإنسان وعقله، وبها يتم استدعاؤه عند الضرورة للنظر إلى الواقع والتعامل معه.

هكذا تبدو اللغة، ومنها العربية بالطبع، محدداً رئيسياً لا يمكن تجاهله فى العلم والسياسة وغيرهما، ولا يجب أن نقتصر فى نظرتنا إليها على أنها مجرد وسيلة للتعبير عن الأفكار والمواقف، إذ إنها فى حد ذاتها موقف وفكرة، لا يمكن نكرانها. وأعتقد أن الجزيرى واحد ممن يؤمنون بهذا المسار، فهو إلى جانب قدرته على توظيف اللغة العربية فى التعبير عن آرائه بيسر وسلاسة، فإنه يتجاوز الوقوف عند هذا الحد، إلى التعامل مع اللغة بعمومها، أى لغة، على أنها نسق أو منهج أو حتى أداة للفهم والتفسير والإحاطة.