بيت لحم تستعيد «روح الميلاد».. شجرة «العيد» تضيء ساحة المهد
بيت لحم تستعيد «روح الميلاد».. شجرة «العيد» تضيء ساحة المهد
«نيويورك بوست»: الفلسطينيون يصرّون على الاحتفال بميلاد السيد المسيح بـ«نور لا ينطفئ» رغم الألم والحصار وتراجع السياحة
بعد عامين ثقيلين، غابت فيهما أجواء الفرح، وساد الصمت أرجاء «بيت لحم»، عادت المدينة المقدسة لتستعيد «روح الميلاد» من جديد، وتضىء شجرة العيد فى قلب ساحة «كنيسة المهد»، فى لحظة رمزية تُحاكى صمود الفلسطينيين، وسط واحدة من أكثر الفترات قسوة منذ اندلاع الحرب فى قطاع غزة. لم يكن المشهد مجرد احتفال موسمى، بل «رسالة أمل» تتحدى الظلام، إذ بدت «بيت لحم»، مهد السيد المسيح، وكأنها تنتشل نفسها من عبء الحرب والركود الاقتصادى، لتعلن للعالم أن «الفرح رغم الجراح حق لا يمكن مصادرته».
رصدت صحيفة «نيويورك بوست» أجواء عودة «روح الميلاد» إلى مدينة بيت لحم، الواقعة فى قلب الضفة الغربية، إلى الجنوب من مدينة القدس. وذكرت الصحيفة الأمريكية، فى تقرير لها، أنه رغم التوتر السياسى والانهيار السياحى، الذى أصاب الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023، شهدت المدينة «لحظة استثنائية» هذا الأسبوع، تتمثل فى إضاءة شجرة الميلاد الضخمة أمام كنيسة المهد، وسط مشاركة واسعة من أبناء المدينة، وزوار عادوا تدريجياً إلى الشوارع التى كانت شبه خالية لعامين كاملين، وذلك لأول مرة يعود فيها الاحتفال بهذا الشكل العلنى منذ بدء الحرب، بعد أن خيَّم الحزن على المدينة العام الماضى، وأُلغيت جميع الفعاليات.
رئيس بلدية بيت لحم، ماهر قنواتى، عبَّر عن مشاعر المدينة، التى حاولت أن تتنفس من جديد، مؤكداً فى تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية أن «بيت لحم» مرَّت بظروف قاسية غير مسبوقة، وقال: «كانتا سنتين صعبتين، لا عيد ميلاد، لا وظائف، لا عمل، نحن هنا نعيش على السياحة، والسياحة وصلت إلى الصفر»، وبالفعل، منذ اندلاع الحرب فى غزة، تراجعت حركة الزوار الأجانب بشدة، بسبب القيود الأمنية، والوضع السياسى المتفجر، ما أدى إلى شلل اقتصادى كامل فى مدينة يعتمد أكثر من 70% من سكانها بشكل مباشر أو غير مباشر على قطاع السياحة.
ومع ذلك، بدا أن إرادة الناس أقوى من الجراح، فمع اقتراب ديسمبر، وبمجرد أن أعادت البلدية نصب الشجرة العملاقة فى ساحة المهد، عاد الأمل ليتسلل إلى القلوب، الإضاءة التى انطلقت وسط تصفيق الحضور كانت أكثر من مجرد حدث احتفالى، كانت تحدياً رمزياً للعنف الذى يضرب فلسطين منذ شهور طويلة، وقال قنواتى: «قد يقول البعض إن الوقت غير مناسب للاحتفال، وقد يقول آخرون إن علينا أن نحتفل، لكن فى داخلى شعرت أنه الشىء الصحيح، عيد الميلاد يجب ألا يُلغى، إنه نور أمل لنا جميعاً».
المتابع للمشهد فى ساحة المهد يُدرك بسهولة أن بيت لحم أرادت أن تُوجِّه رسالة مزدوجة، الأولى للعالم بأن المدينة لا تزال تنبض بالحياة رغم الحصار والركود والجراح، والثانية لأبنائها بأنهم قادرون على استعادة الفرح من بين ركام الأزمات، فمع بداية مراسم الإضاءة، انتشر الأطفال والعائلات لالتقاط الصور أمام الشجرة المزدانة بالأضواء الملوَّنة، بينما علت الموسيقى التراثية الفلسطينية فى المكان، وأخذت المحال التجارية المحيطة بالساحة تستعيد جزءاً من نشاطها بسلاسل زينة وهدايا صغيرة تستقبل الزوار.
لم يقتصر الاحتفال على المسيحيين فقط، بل كان المسلمون شركاء فى هذا المشهد، فكما اعتادت المدينة عبر عقود طويلة، كان الفلسطينيون، المسلمون والمسيحيون، جنباً إلى جنب، يتقاسمون المساحة ذاتها والفرح ذاته، فقد ظهر عشرات الشباب المسلمين يلتقطون صوراً أمام الشجرة، وهو ما اعتبره كثيرون تأكيداً جديداً على خصوصية المدينة التى جمعت دائماً كل أبنائها تحت مظلة الوطنية الفلسطينية.
«نادية حازبون»، مصممة مجوهرات من بيت لحم، قالت إن رؤية المدينة تحتفل من جديد تحمل معنى يتجاوز مجرد مناسبة سنوية، وأضافت: «نحن سعداء جداً لأن الشجرة عادت، وسعداء بأننا نرى الأجانب هنا مرة أخرى، هذه المدينة هى مهد المسيح، وهنا يجب أن نُظهر للعالم ما يعنيه عيد الميلاد حقاً»، واعتبرت السيدة الفلسطينية أن الاحتفال هذا العام يمثل بداية عودة الحياة الطبيعية ولو ببطء، بعد أشهر من الصدمات والقلق الاقتصادى والاجتماعى.
كما دعا «حمزة»، مرشد سياحى فلسطينى، يعمل فى المدينة القديمة، السياح للعودة، مؤكداً أن بيت لحم آمنة، وتستعد لاستقبال الزوار، وقال: «هذه مدينة سياحية، ومن دون سياحة لا توجد حياة»، ولخصت تصريحات الشاب الفلسطينى واقع المدينة التى يحاول أهلها حماية مصدر رزقهم الأساسى، رغم الظروف المعقدة التى تعيشها المنطقة بأكملها.
ومع أن بيت لحم جزء من الضفة الغربية، التى تشهد توسعاً استيطانياً وتصاعداً فى التوترات، فإن ربطها الدائم بمكانة دينية عالمية يضيف عليها مسئولية مضاعفة، ولهذا كانت عودة الاحتفال بمثابة انتصار رمزى لأهلها الذين تمسكوا بأن تبقى مدينتهم منارة السلام، كما أن إحياء الاحتفال يعكس رغبة واضحة من السكان والبلدية فى كسر دائرة الانكماش الاقتصادى، التى تسببت بها الحرب فى غزة، فى وقت فقد فيه آلاف الفلسطينيين أعمالهم، نتيجة الإغلاق، وغياب التحركات السياحية.
ووفق تقارير اقتصادية فلسطينية، فقد خسرت بيت لحم، خلال العامين الماضيين، أكثر من 60% من دخلها السنوى، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب والنساء على وجه الخصوص، لكن مشهد إضاءة شجرة «عيد الميلاد»، الذى جرى يوم السبت الماضى، منح التجار أملاً أولياً بإمكانية انتعاش محدود خلال احتفالات الميلاد ورأس السنة، وهى الفترة التى كانت تمثل عادةً ذروة الموسم الاقتصادى للمدينة. وتدرك المؤسسات السياحية فى بيت لحم أن التعافى الكامل لا يزال بعيداً، لكن عودة السياح تدريجياً خلال الأسابيع الأخيرة، أعادت بعض الأنفاس إلى الفنادق والمطاعم والأسواق الشعبية. بعض الفنادق، التى كانت مغلقة تماماً منذ شهور، بدأت تعيد تشغيل أجزاء من خدماتها لاستقبال مجموعات صغيرة من الزوار القادمين من أوروبا وأمريكا اللاتينية، ويؤكد أصحاب هذه المنشآت أن استعادة الثقة العالمية فى استقرار المدينة تحتاج وقتاً، لكن مجرد رؤية الزوار مرة أخرى «تشبه عودة الحياة للمدينة».
وفى ظل هذه التحديات الكبيرة، يبدو أن الفلسطينيين فى بيت لحم أرادوا بشدة إرسال رسالة للعالم قبل حلول ليلة الميلاد، مفادها أن الاحتفال ليس إنكاراً للمعاناة، بل هو شكل من أشكال المقاومة الروحية، والتأكيد على أن الفرح يجب ألا يُصادر مهما اشتدَّت المحنة، فمنذ اندلاع الحرب يعيش المسيحيون الفلسطينيون، إحدى أقدم الطوائف المسيحية فى العالم، ضغوطاً متزايدة، سواء بسبب القيود الأمنية، أو الخوف من تراجع وجودهم التاريخى فى القدس والضفة الغربية، لذا كان هذا الاحتفال بالنسبة لهم بمثابة تمسك بالهوية والجذور.
كما أن المشاركة الواسعة من العائلات الفلسطينية أكدت أن الناس بحاجة لفسحة أمل، وأن الفرح قد يكون، فى حد ذاته، وسيلة لمواجهة القلق والخوف، فالأطفال الذين وقفوا أمام الشجرة يلتقطون الصور لم يعرفوا حجم القرارات السياسية التى تدور حولهم، لكنهم فهموا أن هناك لحظة تستحق الابتسام، وهذا وحده، بالنسبة لأهل المدينة، سبب كافٍ للاحتفال.
واختتمت الصحيفة الأمريكية تقريرها بالقول إنه فى الوقت الذى انشغل فيه الإعلام العالمى بتغطية الحرب فى غزة، وتداعياتها السياسية والعسكرية، جاءت لحظة الميلاد فى بيت لحم بمثابة رسالة تذكير للجميع بأن الشعب الفلسطينى، رغم الجراح، لا يزال يتمسك بالحياة، لعلها رسالة رمزية بأن النور قادر على اختراق العتمة، وأن مهد المسيح لا يزال قادراً على أن يكون منبعاً للسلام، وسط عالم مضطرب.