بوتيني في نيودلهي.. رسائل سياسية وإعلامية من الشرق إلى الغرب

كتب: editor

بوتيني في نيودلهي.. رسائل سياسية وإعلامية من الشرق إلى الغرب

بوتيني في نيودلهي.. رسائل سياسية وإعلامية من الشرق إلى الغرب

اختُتمت زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، إلى الهند، بعد نحو 30 ساعة من التحركات المكثفة، التى شملت محادثات رسمية مع رئيس الوزراء، ناريندرا مودى، وحضور منتدى اقتصادى، ووليمتين رسميتين وخاصتين، إلى جانب الإعلان عن إطلاق خدمة هندية جديدة لشبكة «روسيا اليوم»، الممولة من الكرملين، ورغم ما حملته الزيارة من رسائل رمزية قوية ولقطات لافتة، فإن حصيلة الاتفاقات الفعلية جاءت محدودة، الأمر الذى عكس حرص نيودلهى وموسكو على إدارة علاقتهما الاستراتيجية بحسابات دقيقة، فى ظل ضغوط أمريكية غير مسبوقة على الهند، لإعادة النظر فى شراكتها التاريخية مع روسيا.

بدأ «بوتين» زيارته باستقبال استثنائى من «مودى»، الذى خالف البروتوكول، وتوجه بنفسه إلى المطار لاستقبال ضيفه، محتضناً إياه «عناقاً دافئاً» بدا أقرب إلى رسالة مباشرة للغرب بأن عزلة موسكو ليست قدراً محتوماً، وأن الهند متمسكة بما تسميه «الاستقلال الاستراتيجى» فى رسم علاقاتها الدولية، وقد جلس الزعيمان جنباً إلى جنب فى المقعد الخلفى لسيارة واحدة خلال الطريق إلى مقر إقامة رئيس الوزراء، حيث عقدا عشاءً غير رسمى، وصفه مستشار الكرملين للشئون الخارجية، يورى أوشاكوف، بأنه «إحدى أهم محطات الزيارة»، نظراً لبحثه القضايا الحساسة بعيداً عن عدسات الإعلام.

الهند وروسيا تعملان على إعادة بناء الشراكة الاقتصادية للوصول إلى 100 مليار دولار حجم التبادل التجارى خلال 5 سنوات

وذكرت صحيفة «الإندبندنت» أنه رغم الاحتفاء المتبادل، ظلت النتائج الفعلية للمحادثات محدودة، إذ أعلن الجانبان الانتهاء من برنامج للتعاون الاقتصادى حتى عام 2030، يهدف إلى تنويع مسارات الشراكة التجارية، ورفع التبادل التجارى إلى 100 مليار دولار، وقد بلغ حجم التجارة الثنائية فى العام المالى الماضى، نحو 68.7 مليار دولار، يتركز معظمها فى واردات الهند من النفط الروسى المخفض، الذى أصبح ركيزة أساسية لعلاقات الجانبين منذ اندلاع الحرب فى أوكرانيا.

لكن عرض الرئيس الروسى تزويد الهند بـ«شحنات وقود غير منقطعة»، جاء فى توقيت بالغ الحساسية، بعدما رفعت إدارة الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، الرسوم الجمركية على الواردات الهندية إلى 50%، معتبرة أن نصف هذه النسبة يمثل «عقاباً» لنيودلهى على استمرارها فى شراء النفط الروسى الرخيص، وترى واشنطن أن هذه الواردات تساعد فى تمويل «ماكينة الحرب الروسية»، وهو ما دفعها مؤخراً إلى فرض عقوبات على اثنين من أكبر منتجى النفط الروس، لردع الأطراف الثلاثة عن استمرار الشراء، وفى مقدمتهم الهند.

من جانبها، الهند تعاملت بقدر كبير من الحذر مع العرض الروسى، إذ نقلت الصحيفة البريطانية عن وزير الخارجية الهندى، فيكرام ميسرى، قوله إن ملف العقوبات نوقش خلال محادثات القمة، لكنه امتنع عن تقديم أى تفاصيل، فى إشارة إلى رغبة نيودلهى فى عدم استفزاز واشنطن، أو التخلى فى الوقت نفسه عن مكاسب الطاقة الروسية.

أما فى ملف الدفاع، الذى يُعد إحدى الركائز التاريخية للعلاقة بين البلدين، فقد خلت الزيارة من أى إعلانات كبرى، وكان الجانب الهندى، قبل الزيارة، يأمل فى دفع موسكو إلى تسريع تسليم ما تبقى من منظومات «إس-400» الدفاعية، من أصل صفقة بقيمة 5.4 مليار دولار، جرى توقيعها عام 2018، فضلاً عن بحث تحديث مقاتلات «سوخوى-30 إم كيه آى» روسية الصنع، ورغم تأكيد «بوتين» أن علاقات البلدين «قائمة على ثقة عميقة فى المجالات العسكرية والتقنية»، اكتفى الجانبان ببيان مشترك ينص على تشجيع تصنيع قطع الغيار والمكونات الخاصة بالمعدات الدفاعية الروسية داخل الهند، عبر نقل التكنولوجيا، وتأسيس مشروعات مشتركة.

وتطرقت المباحثات إلى ملفات أخرى، ذات طابع اقتصادى وإنسانى، أبرزها تعهد «مودى» بإصدار تأشيرات إلكترونية مجانية للسياح الروس، ومناقشة اتفاقيات تتعلق بتنظيم أوضاع العمالة الهندية الماهرة فى روسيا، كما شمل التعاون اتفاقات فى مجالات بناء السفن، وتدريب البحارة الهنود على العمل فى المياه القطبية، وتطوير مسارات شحن جديدة، والطاقة النووية المدنية، والموارد المعدنية الحيوية.

وأضافت «الإندبندنت» أنه رغم أن الزيارة لم تسفر عن «صفقات ضخمة» كما توقع البعض، فإنها جاءت محملة برمزية سياسية لافتة، فنيودلهى تريد أن تؤكد للغرب أنها لن تتخلى عن علاقتها التاريخية مع موسكو، بينما تسعى روسيا إلى تثبيت موقعها كشريك موثوق لا يزال قادراً على اختراق ما تصفه واشنطن بـ«حاجز العزلة الدولية»، وفى المقابل، يجد «مودى» نفسه فى معادلة دقيقة، تتمثل فى استمرار تدفق النفط الروسى المخفض، دون خسارة فرص عقد اتفاقات تجارية كبرى مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى.

وتبقى الرسالة الأبرز للزيارة أن الهند وروسيا تعملان على إعادة بناء أسس الشراكة الاقتصادية، بعيداً عن الهيمنة النفطية، مع السعى إلى الوصول بتجارة البلدين إلى مستوى 100 مليار دولار خلال خمس سنوات، لكن الطريق نحو هذا الهدف محفوف بالتحديات، خاصة مع اتساع دائرة العقوبات الغربية على موسكو، وحرص نيودلهى على مراعاة مصالحها الاستراتيجية، دون الانخراط فى محاور سياسية قد تُقيد حركتها فى المستقبل.

وبينما تبدو ملفات الدفاع والطاقة هى الأكثر حضوراً فى خلفية المشهد، فإن الزيارة كانت، فى جوهرها، رسالة سياسية أكثر منها صفقة اقتصادية، ورسالة مفادها أن شراكة موسكو ونيودلهى لا تزال صامدة، حتى إن كانت تفتقر فى الوقت الراهن إلى الاختراقات الكبرى، التى كان البعض يتوقعها.


مواضيع متعلقة