نورهم باقٍ.. حكايات عن محفظي القرآن الراحلين وإرثهم الخالد
نورهم باقٍ.. حكايات عن محفظي القرآن الراحلين وإرثهم الخالد
- كفر الشيخ
- بيلا
- محافظة كفر الشيخ
- القرآن الكريم
- محفظي القرآن الكريم
- حفظ القرآن الكريم
- قرية إبشان
- السيدة سهير عيسى البلتاجي
- الشيخ عبد الوهاب خليفة
على مر السنين، ترك محفظو القرآن الكريم أثرًا خالدًا في نفوس من تعلموا على أيديهم، هؤلاء الذين حملوا رسالة الله وحفظوا كتابه، علموه لأجيال تلو الأجيال، حتى أصبحوا شموعًا مضيئة في مجتمعاتهم، لم يظهر بعضهم إعلاميًا، ولم يحملوا شهادات عليا، لكن أعظم شهادة تركوها كانت في نشر القرآن في القلوب قبل الصفحات.
هؤلاء الروّاد الذين فارقوا الحياة لم يتركوا وراءهم ثروة مادية، بل إرثًا حيًا من الحفظة الذين يرددون آيات القرآن على ألسنتهم، ويستذكرون علمهم وأخلاقهم، ويواصلون رسالتهم في نشر الخير، منهم من علم أبناء قريته، ومنهم من اهتم بالأيتام، ومنهم من جعل بيته مدرسة للقرآن، حيث تعلم الطلاب الصبر، والأدب، والخلق قبل التلاوة والحفظ.
سهير عيسى البلتاجي.. بيت مليء بالنور والقرآن
في قرية إبشان بمركز بيلا بمحافظة كفر الشيخ، تركت السيدة سهير عيسى البلتاجي بصمة لا تُنسى في حياة أهل القرية.

ولدت سهير عام 1947، ولم تحمل شهادات عليا، لكنها كانت تحمل أعظم شهادة وهي حفظ القرآن كاملاً، وكرّست حياتها لتعليم كتاب الله وخدمة الأجيال القادمة، ورغم مسؤوليات البيت وتربية الأبناء، لم تتوقف عن تعليم القرآن مجانًا لكل من يرغب في الحفظ والتلاوة.
بيت سهير كان مدرسة حقيقية للآداب القرآنية قبل الأحكام، علمت الصبر، الأخلاق، وحب القرآن، وكان المصحف حاضرًا في كل ركن من أركان منزلها، كانت تذكر طلابها دائمًا أن الأخلاق تُبنى على نور الهدي، وأن الحفظ ليس مجرد كلمات، بل أسلوب حياة.
وتقول السيدة النبوية الزيادي، رئيس مجلس إدارة جمعية خيرية بمدينة بيلا: «كانت الست سهير بتعلِّم بحب، وتصبر على المتعلمين مهما أخطأوا، صوتها في التلاوة يدخل القلب كأنك بتسمع القرآن لأول مرة، كانت تأتي للجمعية لتحفظ الأيتام مجانًا، وتطلب الأجر من ربنا وحده».

ابنتها صفاء شفيق تضيف: «أمي علمتنا أن القرآن مش بس للحفظ، ده أسلوب حياة، لما كانت تقرأ آية عن الصبر، كانت تبتسم وكأنها فعليًا عايشة الكلام ده».
أما حفيدها أحمد محمود سليمان فيقول: «جدتي كانت جميلة وطيبة، كانت دايمًا تراجع لنا القرآن، بفرح لما حد يقولي أنا حفظت القرآن على إيد جدتك، عمرنا ما هننساها».
رحلت السيدة سهير عام 2015 في صمت يشبه حياتها، وفي يوم جنازتها، اكتظ المسجد بالمحبين، وبكى الناس كأنهم فقدوا أمًا أو معلمة أو أختًا، يروي زوج ابنتها محمود سليمان: «تعبت شوية قبل ما تموت، وكانت وهي مريضة تطلب الوضوء والصلاة.. خاتمتها كانت طيبة».

يتذكر محمود مسعد، أحد محفظي القرآن الكريم: «كل مرة كنت أقعد قدام الست سهير وهي تحفظني القرآن، صوتها كان يدخل قلبي قبل وداني، ماكنتش بس بتعلّمنا الحفظ، دي كانت بتعلّمنا الصبر والأخلاق وحب القرآن، حتى بعد ما توفت، بحس إنها قاعدة جنبي، بفضلها بقيت حافظ للقرآن وبحفظه لغيري دلوقتي، وربنا يديها الجنة».
الشيخ عبد الوهاب خليفة: رحلة عمر مع القرآن
لم تختلف قصة الشيخ عبد الوهاب خليفة كثيرًا، إمام وخطيب مسجد أبو غنام بمدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ، الذي قضى أكثر من 40 عامًا في تحفيظ القرآن الكريم للأطفال والكبار.
وُلد الشيخ عبد الوهاب عام 1959، والتحق بالتعليم الأزهري، ومنه إلى جامعة الأزهر، وبدأ رحلة التحفيظ في سن الشباب، لم يكن مجرد إمام وخطيب، بل قدوة في الالتزام والورع، عاش حياته متناغمة مع كتاب الله، يطبق ما يعلم، ويسمع أولاده وطلابه آيات القرآن وكأنها دعوة للحياة.

كان بيت الشيخ عبد الوهاب ملاذًا للطلاب، حيث المصاحف مفتوحة والقلوب مشتعلة بحب الله وكتابه، لم يكن الحفظ لديه مجرد كلمات، بل كان غرسًا لقيم الصبر والتحمل وحسن الخلق. يشهد تلاميذه بأن صوته في التلاوة يملأ المكان نورًا وطمأنينة، وأن نصائحه العملية دائمًا تجمع بين العلم والعمل، وبحسب ابنته الزهراء: «كان حريصًا على أن يحفظ كتاب الله للأطفال حتى آخر يوم في حياته».
ويضيف تلميذه محمد فريد: «علمنا أن القرآن مش بس كلام يتقال، ده حياة تتعايش، وكل حرف نتعلمه مسؤولية نعيشها ونعلمها لغيرنا».
رحل الشيخ عبد الوهاب عام 2023 بهدوء، كما عاش، لكن أثره لم يذهب معه، كل طالب حفظ على يديه يمثل جزءًا من إرثه المستمر، وكل درس أخلاقي أو قرآني عاشه طلابه يعيش في الأجيال القادمة، وقد شهدت مساجد بيلا وجمعياتها احتفالات تكريمية للشيخ، تعبيرًا عن الامتنان لما قدمه من علم وعمل.

إرث لا يموت
يؤكد الشيخ سعد الفقي، وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، أن محفظو القرآن الراحلون ليسوا مجرد معلمين، بل شموع مضيئة في المجتمعات، لم يمتوا، لأن نورهم يظل حيًا في القلوب، وفي الأصوات التي تردد آيات القرآن، وفي الأخلاق التي زرعوها، وفي الأجيال التي ستواصل مسيرتهم، مشيرًا إلى أن هؤلاء الذين علموا الصبر، والأخلاق، وحب القرآن، وأكرموا الأيتام، وأعطوا دون مقابل، تركوا رسالة أكبر من أي شهادة، ورسالة باقية لا تنطفئ، تتمثل في نقل نور القرآن إلى الأجيال القادمة.