صلاح.. أزمة كروية.. أم نفسية!

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

يعيش الرأي العام في مصر، ونسبة كبيرة من الرأي العام العربي أزمة لاعب الكرة محمد صلاح مع مدربه سلوت ونادي ليفربول. عاش صلاح داخل ليفربول 8 سنوات كان فيها نجما بارزا، حقق مع الفريق العديد من الانتصارات وسجل العشرات من الأهداف، لكن أزمته الأخيرة وجلوسه ضمن الاحتياطي حولت الموضوع من مجرد خلاف فني أو كروي إلى مسألة نفسية.

البداية عندما تراجع اعتماد المدرب عليه تكتيكيا. جلوسه على دكة البدلاء لأول مرة بهذا الشكل المتكرر. تصريحات غير معتادة منه تظهر ضيقا وربما اهتزازا في العلاقة مع الإدارة. تلميحات لإمكانية بيعه وربط اسمه بأندية أو دول لا يتمنى اللعب فيها حاليا. هذه ليست أزمة رياضية فحسب، إنها أزمة هوية ومرحلة انتقالية للاعب عاش في القمة لسنوات طويلة.

تطرح أزمة صلاح قضية النجم الذي يجد نفسه في مقاعد البدلاء. هذه الحالة تحدث لكثير من اللاعبين المشاهير، عندما يصبح النجم احتياطيا تتولد داخله صدمات نفسية، صدمة المكانة الاجتماعية، الشهرة والنجومية ليست مجرد أضواء، الإحساس الثابت بأنه مركز العالم الرياضي. حين يجلس النجم على الدكة، يشعر وكأن العالم الذي بناه لنفسه بدأ ينهار فتبدأ الأسئلة بداخله : هل انتهيت؟ ألم أعد مهما؟ لماذا لا يراني المدرب؟ هل فقدت مكانتي في النادي؟.

يشعر النجم بصدمة تحميله مسئولية الهزائم، حين يكون الأفضل، يجني ثمار النجاح؛ وحين يتراجع الفريق، يتحمل الفشل حتى لو لم يلعب. هذا التناقض يخلق غضبا داخليا وإحساسا بالظلم. بجانب توقعه باحتمال بيعه لمكان لا يرغب فيه. خاصة أنه وأي لاعب في نفس وضعه، في نهاية مسيرته يحب القرار يكون بيده، لكن حين يشعر أن النادي يريد التخلص منه تتحول القضية إلى : شعور بإهانة شخصية وتهديد للهوية وضغط نفسي كبير.

والتحليل النفسي لمحمد صلاح في هذه اللحظة، إحساس الفقد التدريجي للمكانة بعدما كان طوال 8 سنوات هدافا، وبطل أوروبي، وأسطورة للنادي، وأيقونة عربية. إن النفس البشرية حين تعيش هذا المستوى من الضوء، يصبح من الصعب أن تقبل الظل. وهنا يظهر القلق, الحيرة، والغضب.

يمر صلاح الآن بمرحلة مقاومة نفسية لواقع جديد لا يريد الاعتراف به بعد. يعاني الصراع بين الكبرياء والواقعية، لا يريد ترك أوروبا بنفسه، لا يريد أن يبدو وكأنه هرب لمسابقات الدوري الأقل منافسة، لا يريد أن تسجل عليه النهاية أنه غادر بعد أن تم تحطيمه. هنا يظهر صراع داخلي : كبرياؤه يقول يجب أن أظل هنا. وواقعيته تقول: إن الزمن يتحرك، والفريق يتغير، والمدرب له رؤية مختلفة. هذه المنطقة الرمادية تسبب ضغطا عقليا ونفسيا هائلا عليه. وبداخله يطرح الأسئلة : هل يتعامل بجدية أم يلعب لعبة ضغط مع النادي؟

من منظور التحليل النفسي وسلوكيات اللاعبين الكبار فإن جلساته على الدكة أكبر ضربة لغروره الرياضي منذ 2017. سلوكه الحالي يميل إلى ردة فعل انفعالية أكثر من الاستراتيجية. لكنه لاعب ذكي، وقد يحول الأزمة إلى ورقة ضغط للحصول على دور أكبر أو ضمانات مستقبلية أو انتقال بمكانة أفضل.

إنه لا يقبل الإحساس باقتراب النهاية، لكن النجم حين يبدأ يشعر أن مستواه أو دوره يتراجع، يدخل في مرحلة نفسية شبيهة بمرحلة الفقد، الإنكار، يتردد بداخله، مازلت الأفضل، الغضب، المدرب لا يفهمني، المساومة، يجب أن أثبت نفسي في التدريب، الحزن، هل انتهى الأمر؟ القبول، سأبدأ مرحلة جديدة.

يبدو صلاح الآن بين الغضب والمساومة. وهو مشغول بكيف يمكن أن يخرج منتصرا من هذه الأزمة؟ هل يمكنه الانتصار داخل ليفربول ؟ لو عاد للتشكيل الأساسي ووجد طريقة للتألق مجددا، سيعود أقوى، لأن العودة بعد أزمة تعطيه هالة البطل الذي لا ينكسر. لكن هذا مرتبط بإرادة المدرب وقرار النادي ، وليس بصلاح فقط.

البديل، انتقال ذكي لا يبدو هروبا أو طردا، كالانتقال لفريق أوروبي كبير، حتى لو بدور مختلف. أو نادي ينافس على البطولات مثل بايرن، باريس، أو حتى فريق إنجليزي آخر. هذا يحفظ مكانته النفسية والاجتماعية. أو الذهاب للدوري السعودي بشروطه الخاصة.

يعيش محمد صلاح الآن يعيش اللحظة الأكثر حساسية في مسيرته كلها. ليست لحظة أداء بل لحظة هوية. وهو مغرق في تفكيره : كيف يريد أن يكتب الفصل الأخير من أسطورته؟ من طريقة تعامله مع الضغط، يبدو أنه لم يصل لمرحلة القبول بعد، ما يعني أنه سيحارب، سواء داخل ليفربول أو خارجه قبل أن ينطفئ الضوء. والأرجح أنه لن يسمح لنفسه بالخروج بصورة الضعيف.