سامح فايز يكتب: فلوريدا وتكساس.. هواجس إخوانية متجددة
سامح فايز يكتب: فلوريدا وتكساس.. هواجس إخوانية متجددة
فى اللحظة التى كانت الأنظار تتجه فيها إلى واشنطن لمتابعة الترتيبات السياسية المقبلة، كانت ولاية فلوريدا تُعيد فتح ملف جماعة الإخوان الإرهابية؛ فقد تبنّى عدد من نوابها قراراً غير ملزم يدعو إلى تصنيف جماعة الإخوان تنظيماً إرهابياً، وهو قرار لم يُفاجئ المتابعين بقدر ما أثار أسئلة حول توقيته ومغزاه، خاصة أنه جاء بعد أسابيع من خطوة أكثر حدة فى ولاية تكساس. وما بين الولايتين يبدو أن الجنوب الأمريكى ينسج سردية جديدة حول الجماعة، ليست قائمة على وقائع أمنية محددة، بقدر ما هى تعبير عن مخاوف قديمة تتجدد كلما تغيّر شكل الجدل الداخلى فى الولايات المتحدة.
فالقارئ للسياق يدرك أن تحرك نواب فلوريدا، رغم كونه غير ملزم، يحمل دلالة تتجاوز نص القرار نفسه؛ فهو يعكس رغبة قطاع من المشرعين فى إعادة إدراج الإخوان داخل ملفات الأمن الداخلى، لا بوصفهم تنظيماً حاضراً على الأرض، ولكن باعتبارهم جزءاً من ظاهرة أوسع تتعلق بالتأثير عبر الخطاب والفضاء الرقمى. وفى ولاية تعيش تشابكاً سياسياً كثيفاً بين المحافظين والجماعات المؤثرة فى الرأى العام، يصبح طرح هذا الملف وسيلة لإعادة رسم حدود النقاش، وتوجيه رسالة بأن الولاية تراقب ما يحدث خارج مؤسساتها الرسمية وخارج حدودها الجغرافية أيضاً.
أما تكساس، فقد ذهبت خطوة أبعد بإعلان تنفيذى من حاكمها يصنف الإخوان وCAIR كمنظمات إرهابية أجنبية داخل الولاية. ورغم الجدل القانونى الكبير الذى أثارته الخطوة، فإنها تكشف جانباً من عقل الجنوب الأمريكى الذى يرى أن الخطر لا يُقاس بقربه الجغرافى بقدر ما يُقاس بقدرته على التأثير فى الوعى العام، وبالأخص الوعى الشبابى. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تتابع فلوريدا هذه الموجة بتصويت رمزى، يعكس رغبة فى عدم ترك الساحة التشريعية لتكساس وحدها، وفى الوقت نفسه دون تحمّل كلفة سياسية أو قانونية مماثلة.
والملاحظ أن التحركات الأخيرة لا ترتبط بإعادة تقييم تنظيمى للإخوان داخل الولايات المتحدة، بقدر ما ترتبط بتغير شكل التأثير السياسى والإعلامى فى عصر الشبكات. فاليوم لم يعد حضور الجماعات مرتبطاً بوجود مؤسسات أو مقار أو أنشطة معلنة، بل بما تنتجه من خطاب وقدرة على التفاعل مع الأجيال الأصغر. وهذا ما يجعل الولايات الجنوبية أكثر حساسية تجاه التنظيمات ذات الامتدادات الخارجية، خصوصاً تلك التى تمتلك قدرة على توظيف الأدوات الرقمية فى إعادة طرح خطابها بطرق جديدة لا تشبه الأساليب التقليدية.
وفى ضوء ذلك، يمكن قراءة قرار فلوريدا كإشارة مبكرة على اتساع نطاق الجدل، وليس كنهاية له. فهو تعبير عن موجة سياسية تقول إن فهم ظواهر الإسلام السياسى داخل أمريكا لم يعد مرتبطاً بالملفات الأمنية وحدها، بل أصبح جزءاً من معركة أكبر حول الهوية، والمعلومات، وتشكيل الرأى العام. وإذا كانت تكساس قد فتحت الباب، فإن فلوريدا أعادت التأكيد على أن الجنوب الأمريكى لا يزال يرى فى الإخوان ملفاً حاضراً مهما تغيّرت طرق تأثيرهم.