«الدلجمون» قرية تستقبل الأهالي والزوار بـ«رغيف» من الزمن الجميل.. «طعم بلدي»

كتب: مصطفى عنز

«الدلجمون» قرية تستقبل الأهالي والزوار بـ«رغيف» من الزمن الجميل.. «طعم بلدي»

«الدلجمون» قرية تستقبل الأهالي والزوار بـ«رغيف» من الزمن الجميل.. «طعم بلدي»

في قلب محافظة الغربية، وتحديدًا بمركز كفر الزيات، تقع قرية صغيرة في مساحتها، كبيرة في شهرتها، تُدعى الدلجمون. هنا لا يُعد «العيش باللحمة» مجرد وجبة شعبية أو أكلة تُحضّر في المناسبات، بل هو هوية يعرف بها المكان، وعلامة تجارية غير مسجّلة يتوافد عليها الزوار من مختلف المحافظات بحثًا عن الطعم الأصيل.

على مداخل القرية، تستقبلك رائحة اللحم البلدي الطازج الممزوج بالبصل والفلفل والطماطم. رائحة كفيلة بأن ترشدك إلى مصدرها قبل أن تلمح الأفران، حيث تتراص الأرغفة الساخنة الخارجة لتوها وهي تحمل خلطة لم تتغير منذ عقود. هنا، الطعام حرفة وتراث، تنتقل من جيل إلى جيل كما تنتقل الأسماء والملامح.

في أحد شوارع الدلجمون، يقف فتحي السقا، 43 عامًا، أمام مخبزه الذي ورثه عن أبيه وجده، يحكي عن قصة الصنعة: «كل أهل الدلجمون بيشتغلوا في العيش باللحمة.. دي مهنتنا ومصدر رزقنا».

فرن

سرّ المذاق الذي لا يُشبه غيره

يشرح «فتحي» سرّ المذاق الذي لا يُشبه غيره: «اللحم الأحمر البلدي بيتقطع ويتفرم كويس، وبعدين يتخلّط مع البصل والفلفل والطماطم والتوابل، وبعدها نحشي العجين وندخله الفرن، السر في التسوية الصح وفي اللحم البلدي اللي ما بنستغناش عنه».

في المخبز ذاته، يعمل شقيقه عبدالعزيز السقا، 26 عامًا، من الثامنة صباحًا حتى الثانية بعد منتصف الليل، ويضيف: «الناس بتحب تفطر عيش باللحمة، وكمان بياكلوه على الغدا والعشا، الشغل هنا فاتح بيوت كتير، واليومية بتبدأ من 200 لحد 400 جنيه حسب الموسم والضغط».

الحكاية تبدأ من محلات الجزارة المنتشرة في كل زوايا القرية، هناك تُفرم اللحوم وتُتبل وفق وصفات تختلف من جزار لآخر، لكنها تتفق على شيء واحد: «اللحم لازم يكون بلدي صافي»، ويقول عادل إبراهيم النصيري، أحد الجزارين: «اللحمة لو مش بلدي ومتحبشة كويس مش هتدي الطعم اللي الناس جاية علشانه».

عيش

بعد التتبيل، تُرسل اللحوم إلى الأفران، حيث تُحشى في العجين وتوضع في الأفران البلدي الساخنة، وخلال دقائق، يخرج الرغيف محمّلًا بخليط من النكهة والذاكرة، بحسب «النصيري».

لا تمر مناسبة في الدلجمون؛ فرح، مولد، عزومة، أو حتى زيارة مفاجئة، دون وجود «عيش بلحمة»، ويؤكد محمد حسن، أحد أبناء القرية: «الوجبة مش موسمية، دي الطبق الأساسي طول السنة، إحنا اتربينا عليها، وسهلة وسريعة، ودايمًا موجودة في بيوتنا».

المهنة أكبر من مجرد طعام

أما أحمد عنتر، فيرى أن المهنة أكبر من مجرد طعام:«دي مهنة بتأكّل عيش لعشرات الأسر، من الجزار للفران للعمال اللي بيلمّوا الطلبات، كل واحد ليه دور في سلسلة كبيرة شغالة طول اليوم».

عيش

في الدلجمون، لا يكاد يخلو بيت من علاقة خاصة مع رغيف خرج يومًا من فرن قريب، ويوضح مصطفى علي: «القرية كلها شبه مطبخ واحد، كل بيت له طعمته، وكل فرن له نكهته، وكل زائر لازم يقف هنا لو بيحب الأكل البلدي، العيش باللحمة هنا لسه محافظ على أصله».