محمود الجارحي يكتب: حين وقف الضحية يشهد على قاتله.. حكاية جعلت الشيطان يقف تلميذا متفرجا
محمود الجارحي يكتب: حين وقف الضحية يشهد على قاتله.. حكاية جعلت الشيطان يقف تلميذا متفرجا
سيدي القاضي.. السادة المستشارون.. السادة المحامون ممن تطوعوا للدفاع عن حقي.. أو الدفاع عن «المتهم».. الحضور الكرام.. أسمحوا لي أن أتكلم.. نعم.. أنا هو الضحية.. أنا الطفل المعروف لدى الجميع وفي أوراق القضية.. بـ«طفل المنشار».. الذي تحول اسمه إلى «مجني عليه» في واحدة من أبشع الوقائع التي شهدها المجتمع.. أعتذر أنني أوجعت قلوبكم.. والله لم أكون أقصد.. لم أرتكب ذنبًا..
قبل بدء جلستكم الموقرة.. هل تسمحون لي بـ«الكلام».. مرة أخرى سوف أكون وجهًا لوجه مع صديقي المتهم في واقعة وفاتي.. الآن سوف أشاهد المتهم يمثل أمام عدالتكم.. في قفص الاتهام.
سيدي.. أعلم أنه نصيبي وقدري وعمري وخطواتي الأخيرة وأنفاسي الأخيرة.. دعاني صديقي إلى غرفته ذلك اليوم.. ولم أتردد.. دخلت بنفس الاطمئنان الذي كنت أدخل به دائمًا.. لم يكن في قلبي شك ولا خوف.. كنت أظن أنَّ كل ما ينتظرني هو يوم آخر من اللعب والضحك.. وجدته يتحرك بملامح لا تشبهه وكأنه شخص آخر.. حاولت أن أفهم.. أن أسأله.. أن أستوعب، لكن الزمن كان قد توقّف.. والهواء امتلأ بما لم أعد قادرًا على تفسيره.. قاومت فقط لأتنفّس، حاولت أن أستغيث.. تمنيت أن يسمعني أحد.. لكن الله وحده كان يسمع ويرى.
سيدي.. أعتذر من جديد أنني أوجعتكم.. لكنه وجع لا يقارن بالوجع الذي أنهى حياتي.. حين أفلتت روحي من جسدي.. لم ينطفئ كل شيء كما يتصور الناس. رأيت العالم من زاوية أخرى.. رأيت الغرفة التي شهدت آخر لحظاتي.. ورأيته هو… صديقي.. يمشي في طريق لم يكن يشبه الأطفال.. رأيت أيضًا شيئًا لم أنسَه: كان هناك ظلٌّ يجلس في ركن الغرفة.. ظلٌّ لا يُرى إلا حين تسقط الأرواح.. كان الشيطان هناك.. لا يوسوس.. بل يندهش.. كان ينظر إلى ما يجري كأنه لم يره من قبل.. وكأنه يقول: «كيف سبقني طفل؟».. ومع كل خطوة من خطوات صديقي.. كان الشيطان يصمت.. ثم يهمس وكأنه يتعلم: «ما هذا الذي رأيته اليوم؟».. بعدها.. بدأ المتهم يحاول أن يهرب من الحقيقة.
سيدي.. رأيته يحاول أن يطفئ ما لا يُطفأ.. أن يُخفي ما لا يخفى.. كانت رائحة الجريمة أقوى من كل محاولة للطمس.. وكان صدى ما جرى يطوف في أرجاء البيت.. يشهد وينادي.. ويكشف.. وكانت ساعات طويلة لا تُحصى.. حتى دخل رجال المباحث إلى المكان.. رأيت وجوههم تتبدل حين رأوا ما لم يكن منطقيًا.. وسمعت أحدهم يتمتم:«هذا ليس فعل طفل».
سيدي.. كانت الصدمة تملأ عيونهم، وكانت الحيرة أول ما استقبلهم في مسرح الجريمة.. وفي قسم الشرطة.. رأيته يجلس على الكرسي المعدني.. طفل صغير لا يدرك حجم ما فعله، يروي كأنه يتحدث عن شيء عابر. قال للمحقق بصوت هادئ: «ماكانش قصدي أموتُه.. كنت متضايق». لم تكن كلماته كلمات قاتل.
سيدي.. رأيت الشيطان نفسه ينظر إليه بانكسار.. وكأنه فقد مكانته.. وكأنه يقول له: «كنت أظنني أعرف الشر كله.. فإذا بي أراك تتفوق عليَّ وتجلعني واقفًا تلميذًا متفرجًا».
سيدي القاضي.. لا أطلب إلا العدل.. خرجت من الدنيا بلا وداع.. وبلا فرصة لأشرح أو أعاتب أو أصرخ أو أقول: «أنا كنت صاحبك».
سيدي.. ربما صرخت.. يقينًا تألمت عندما سقطت الأرض.. وحاولت النهوض بنفسي وفشلت.. كنت أحاول تحريك ذراعي.. كنت أحاول وأحاول وأنا أشاهد الدماء تسيل من رأسي.. وأنا أشاهد المتهم وهو ممسك بالمنشار ويحول جسدي لأشلاء.. ولكن الألم لم يستمر سوى لحظات.
سيدي.. تذكرت وأنا في لحظاتي الأخيرة.. عائلتي فهي الموجوعة أكثر.. هي التي لا تنام.. خرجت من الفرح إلى الحداد.. وأنا خرجت من الحياة إلى سؤال واحد لم ينطفئ: كيف وصل طفلٌ إلى هذه النقطة؟
سيدي أنا الآن أترك كلمتي بين أيدي عدالتك.. سيدي.. الجميع هنا يمثل أمام حضراتكم.. الجميع في انتظار الحكم العادل في جلسة يناير المقبل.