«مش هبيع ولادي».. ياسمين ترفض نفقة بـ300 ألف جنيه وتطلب الخلع

كتب: إسراء عبد العزيز

«مش هبيع ولادي».. ياسمين ترفض نفقة بـ300 ألف جنيه وتطلب الخلع

«مش هبيع ولادي».. ياسمين ترفض نفقة بـ300 ألف جنيه وتطلب الخلع

في صباح يوم ثقيل، وقفت ياسمين وسط عشرات السيدات أمام محكمة الأسرة بالجيزة، تمسك بيد طفلها الأصغر، بينما يختبئ ابنها الأكبر خلفها وكأنه يحتمي بها، للوهلة الأولى، بدت شاحبة ومتوترة، تتلفت حولها كل بضع ثوان، وكأنها تخشى أن يطل من بعيد ذلك الرجل الذي حول حياتها من بيت وأسرة إلى حرب طويلة بلا هدنة، مستخدمًا جميع أسلحته في مواجهتها.

كانت ياسمين، البالغة من العمر 32 عامًا، ترتدي عباءة سوداء طويلة وطرحة ملفوفة بإحكام، عيناها متورمتان من البكاء والسهر، وصوتها بالكاد يسمع وهي تهمس لمن تجلس بجوارها، تحكي قصة عشر سنوات كاملة عاشتها في ألم متواصل دون يوم واحد من راحة، تبحث بعينيها عن أي شخص يدلها على موعد قضيتها داخل الرول، الذي تنظر إليه مرارًا منذ 3 سنوات، حاملة فوق كتفيها عقدًا كاملًا من العشرة والخوف والخذلان، تدفعها اليوم نحو قاعة المداولة لحضور جلسة الخلع، وكأنها آخر طوق نجاة متاح.

ياسمين داخل المحكمة.. امرأة تحمل عمرًا طويلًا على كتفيها

جلست ياسمين على المقعد الخشبي أمام قاعة المداولة، وبدا كأن جبلًا جثم فوق صدرها، كان طفلها الأصغر، البالغ من العمر 8 سنوات، ملتصقًا بها، يجلس فوق ساقيها ويخفي وجهه داخل عباءتها كلما ارتفع صوت أحد في الممر، أما ابنها الأكبر، ذو الـ10 سنوات، فجلس إلى جوارها، يضغط على يدها بقوة، محاولًا الظهور بمظهر القوي المسؤول، كأنه رجل صغير يحمي أمه.

كانت تمسح على رأس أحد طفليها تارة، وتضم يد الآخر تارة أخرى، بينما تحاول جهدها إخفاء خوفها، وجهها الشاحب يتوسطه جرح قديم بجانب العين اليسرى، تحاول إخفاءه، لكنه ظل يذكرها بضربة تلقتها يوم قررت الانفصال، على حد وصفها خلال حديثها مع «الوطن».

ملابسها البسيطة تكشف أن صاحبتها خرجت من بيت الزوجية دون أن تحمل شيئًا معها، حولها جلست سيدات كثيرات يروين حكايات متشابهة، كانت تستمع إليهن في صمت، لكن كلما سمعت كلمات مثل «ضرب»، أو «مانع مصاريف»، أو «اتجوز علي»، ارتعشت أصابعها، وكأن الكلمات تلامس جرحًا مفتوحًا داخلها.

حينها قررت أن تفتح قلبها، وأخبرتهن أنها جاءت اليوم لطلب الخلع، بعد أن استنفدت كل الحلول الودية مع رجل «لا يعرف لله طريقًا»، على حد تعبيرها.

تنهدت ياسمين وقالت بصوت مكسور: «خلع.. بعد ما كان عايز ياخد ولادي مقابل الفلوس»، ساد الصمت للحظات، ونظرت إليها بعض النساء بتعاطف، خاصة بعدما علمن أنها رفضت 300 ألف جنيه مقابل التنازل عن طفليها، رغم أنها لا تمتلك قوت يومها، وأكدت أنها لم تقاتل من أجل المال، بل من أجل حق أولادها في الحياة.

مع كل نداء للحاجب على القضايا، كان التوتر يزداد داخل الممر، كل امرأة تحمل قصة مختلفة، لكن ياسمين بدت الأضعف بينهن بسبب ما مرت به، وفي تلك اللحظات، بدأت تروي السبب الحقيقي لوجودها هنا.

تهديد وضرب قبل الجلسة

قبل الجلسة بأسابيع قليلة، علم زوجها بنيتها إقامة دعوى خلع، لم يحاول الإصلاح أو الاعتذار، بل توجه بنفسه إلى بيت أهلها، حيث تقيم منذ 6 سنوات، دخل وهو يصرخ، كأن المنزل ملكه، واقترب منها مهددًا، بحسب روايتها.

قالت: «قالي إنت مجنونة؟ نتطلق إيه؟ عايزة تتجوزي تاني؟ لو خرجتي من باب المحكمة من غير ما ترجعي، مش هتشوفي عيالك تاني»، حاولت والدتها التدخل لإيقافه، لكنه دفعها جانبًا، ثم أمسك بذراع ياسمين بقسوة قائلًا: «أنا مش هطلق، ومش هخليك ترفعي قضية، ولو عايزة تمشي سيبي الولاد».

300 ألف جنيه مقابل الطفلين

تطورت المشادة إلى اعتداء، انهارت على إثره ياسمين، بينما بكى طفلاها بشدة، لكنه غادر دون اكتراث، وفي تلك الليلة، كانت الصدمة الأكبر حين قال لها: «300 ألف جنيه متجمد نفقة عن السنين اللي فاتت، تاخديهم بشرط آخد الولاد أنا أربيهم، غير كده ولا مليم»، في تلك اللحظة، أدركت ياسمين أن طريق العودة انتهى، وأن دعوى الخلع أصبحت باب النجاة الوحيد.

بداية الحكاية

تعود ياسمين بذاكرتها 10 سنوات إلى الوراء، حين كانت فتاة حالمة، رأته لأول مرة في بيت خالتها، كان يعمل في شركة كبيرة، يتمتع بشخصية قوية ويتحدث بثقة جذبتها، أوهمها بأنها ستكون ملكة في منزله، ووعدها بحياة مستقرة وسعيدة.

رغم اعتراض أهلها لعدم استقراره المادي، أصرت على الزواج. لم تمر فترة طويلة حتى تبخرت كل الوعود، وبدأت الخلافات، وبعد أربع سنوات من الزواج، أنجبت طفلها الثاني، وظنت أن حياتها استقرت، لكن الحقيقة القاسية ظهرت بعد ست سنوات، حين اكتشفت بالصدفة أنه تزوج عليها سرًا.

واجهته، فلم ينكر، بل قال لها: «ده شرع ربنا، ولو مش عاجبك روحي بيت أبوكي»، تحملت لأجل أولادها، لكن الألم ظل ينزف، ولم ينفق على طفليه، ولم يسأل عنهما، بينما المدارس تطالب بالمصروفات، وهي تلجأ لأهلها طلبًا للمساعدة.

كان يرد عليها قائلًا: «أنا عندي حياة تانية، مش فاضي لك، روحي بيت أهلك»، تحملت الإهانات ونظرات الأقارب وتساؤلاتهم، ولم تجد الرحمة إلا من أسرتها.

«مش هبيع ولادي»

بعد سنوات من الصبر، قررت الطلاق، فرفض بشدة، وطردها من المنزل مهددًا بحرمانها من أطفالها، ومنذ ذلك اليوم، أصبح أهلها هم من يعولونها وأولادها، بينما تشعر بالذل كلما أعطاها والدها مصروفًا رغم كبر سنه وضيق حاله، واليوم تتساءل ياسمين: هل أصبحت حياة أولادها صفقة؟ وهل يمكن أن تتخلى عنهم مقابل المال؟

داخل قاعة المحكمة، وقفت أمام القاضي بثبات حاولت استجماعه، وقالت بصوت مرتعش: «يا فندم، الحياة بينا بقت مستحيلة، وأنا بطلب الخلع حفاظًا على أولادي وعلى نفسي»، وحين سُئلت، ردت بحسم: «مش هبيع ولادي»، وأقامت ياسمين دعوى خلع حملت رقم 8974 أحوال شخصية، منتظرة حكمًا قد يعيد لها ولطفليها بداية حياة جديدة.