المفتي: الفتوى أداة وعي وبناء حضاري تسهم في حفظ تماسك المجتمع
المفتي: الفتوى أداة وعي وبناء حضاري تسهم في حفظ تماسك المجتمع
أكَّد الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، أنَّ موضوع الفتوى ومواجهة الغزو الثقافي وتحصين الهُويَّة في عصر العولمة الرقمية يمثِّل إحدى القضايا المحورية التي تفرض نفسها بقوة على واقع المجتمعات المعاصرة في ظلِّ التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
يأتي ذلك في إطار الإعداد للندوة الدولية الثانية للأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم تحت عنوان: «الفتوى وقضايا الواقع الإنساني: نحو اجتهاد رشيد يواكب التحديات المعاصرة»، والمقرر عقدها يومَي 15 و16 ديسمبر الجاري بالقاهرة، وبرعاية كريمة من الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية،
وأكَّد المفتي في تصريحات لـ"الوطن"ـ أن الفتوى كانت -ولا تزال- أداةَ وعي وبناء حضاري تسهم في حفظ تماسك المجتمع وصيانة منظومته القيمية، لافتًا الانتباه إلى أنَّالغزو الثقافي في العصر الرقْمي لم يعد يعتمد على المواجهة المباشرة أو الهيمنة التقليدية؛ بل بات يتسلل عبر الفضاء الرقْمي ومنصات التواصل الاجتماعي عبر إعادة تشكيل المفاهيم وتشويه الثوابت وبثِّأنماط فكرية وسلوكية منقطعة عن السياق الديني والحضاري للأمة؛ وهو ما يستدعي تطوير الخطاب الإفتائي ليكون أكثر مواكبة للواقع وأدوات العصر.
وأضاف مفتي الجمهورية أن الهُوية الوطنية والدينية هي منظومة متكاملة تشمل الدين والوطن واللغة والتاريخ والإرث الثقافي والقيم والذاكرة الجمعية،مشيرًا إلى أن استهداف الهُوية يبدأ غالبًا بإضعاف الوعي وبث الشك في الثوابت، ومن هنا تبرز أهمية الفتوى الرشيدة المنطلقة من مقاصد الشريعة والقادرة على التفريق بين الثابت والمتغير دون إفراط أو تفريط.
وحول انتشار الفتوى في عصر العولمة الرقمية، أوضح فضيلة المفتي أننا مطالبون بالقيام بدَورٍ تحصيني وتوعوي في آنٍ واحد، حيث تسهم الفتوى المنضبطة في حماية العقل من الانجراف خلف الخطابات المضللة، كما تواجه محاولات التغريب والانفصال عن المرجعية القيمية، وتعمل على بناء وعي نقدي قادر على التمييز بين القيم الإنسانية المشتركة التي يمكن التفاعل معها، وبين الأفكار الوافدة التي تهدد الخصوصية الثقافية والدينية.
وفي السياق ذاته، أكَّد الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد أن العلاقة بين العقل والنقل علاقة تكامل لا تعارض، مبينًا أن الشريعة الإسلامية كرَّمت العقل وجعلته أداةً لفَهْم النص وتنزيله على الواقع، وأن فكرة الصراع بين الدين والعقل تعدُّ من أبرز الأدوات التي استُخدمت في إطار الغزو الثقافي لإقصاء الدين عن المجال العام وإضعاف حضوره في تشكيل الوعي الجمعي.
وأفاد مفتي الجمهورية بأنَّ الخطاب الإفتائي المعاصر يجب أن يتَّسم بالوضوح والمنهجية العلمية الرصينة، وأن يخاطب مختلف فئات المجتمع، وعلى رأسها فئة الشباب التي تعد الأكثر تعرضًا للتأثيرات الرقمية، مؤكدًا أن تحصين الشباب فكريًّا لا يتحقق بالمنع أو الوصاية؛ وإنما بالحوار وبناء الثقة وتقديم الفتوى بلغة معاصرة تراعي أسئلتهم وتحدياتهم.
وأشار رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم إلى أن التنسيق والتكامل بين مؤسسات الإفتاء على المستويين الإقليمي والدولي أصبح ضرورة في عالم مفتوح تتجاوز فيه الأفكار والفتاوى الحدود الجغرافية، موضحًا أن الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم تعمل على توحيد الجهود وتبادل الخبرات وبناء خطاب إفتائي عالمي رصين يواجه مظاهر التطرف والانفلات القيمي ويحافظ على الصورة الحضارية للإسلام.
وختامًا صرَّح المفتي بأن الندوة العالمية الثانية تأتي بالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية؛ ما يؤكد الارتباط الوثيق بين اللغة والهُوية باعتبار اللغة العربية أحد أهم الحوامل الثقافية والمعرفية للدين والحضارة، مؤكدًا أن حماية اللغة وصيانتها تمثل جزءًا أصيلًا من معركة الوعي ومواجهة الغزو الثقافي في العصر الرقمي، وأن الحفاظ على الهُوية يبدأ من الحفاظ على لغتها وتعزيز حضورها في الخطاب الديني والفكري المعاصر.