جهد حكومى يستحق التأييد بشرط التوازن
تبرز قضية مكافحة الشائعات والأخبار الكاذبة كأولوية وطنية قصوى، فى ظل التحديات المعقدة التى تواجه الدول فى العصر الرقمى.
والاجتماعات المتتالية التى عقدها الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، خلال الفترة الماضية، بحضور الوزراء المعنيين ورؤساء الهيئات الإعلامية، تعكس إدراكاً عميقاً للخطر الذى تمثله الحملات المنظمة لتشويه الاستقرار المجتمعى والاقتصادى.
هذا التوجه الحكومى الجاد يستحق التأييد والتحليل، كونه يمثل استجابة مؤسسية شاملة لتهديدات العصر الرقمى، الذى لا يجب التغافل للحظة واحدة عن تطوره المتسارع.
وحسناً ما أشار إليه رئيس الوزراء بوضوح عن تمييز الحكومة بين النقد البناء الموجَّه للأداء الحكومى -والذى ترحب به وتتفاعل معه- وبين الحملات المنظمة التى تهدف إلى زعزعة الثقة فى الاقتصاد الوطنى، وإحداث البلبلة المجتمعية.
هذا التمييز الدقيق مهم لفهم فلسفة الحكومة فى التعامل مع هذه القضية التى تأخرنا كثيراً فى مواجهتها بالحسم المطلوب.
التحدى الحقيقى يتمثل فى الطوفان الهائل من الشائعات التى تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعى على مدار الساعة، بالإضافة إلى كم الأخبار الزائفة التى تنشرها وسائل الإعلام الخارجية المعادية.
ولفت «مدبولى» إلى أن هذه الحملات لا تمثل تعبيراً عن رأى، ولكنها حروب معلوماتية منظمة، تستهدف زعزعة الاستقرار فى تلك الفترة الحساسة من مسيرة التنمية الوطنية.
ويُعد تطوير المنصة الرقمية للمركز الإعلامى لمجلس الوزراء، التى تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعى للمساعدة فى التحقق من صحة الأخبار، خطوة متقدمة على المستوى التقنى، فقدرة المنصة على إجراء «تحليل مضمون» فى ثوانٍ معدودة تمثل نقلة نوعية فى سرعة التجاوب مع الشائعات، ومحاصرتها قبل انتشارها الواسع.
القوانين الحالية بها من العقوبات ما يكفى لمواجهة جرائم نشر الأخبار الكاذبة، لكننا نرى، فى المقابل، عدم كفاية الغرامات الواردة بالقوانين لردع تلك الشائعات.
وربما هذا التحليل هو ما أدى إلى القرار العملى، بتكليف وزارة العدل بالتنسيق مع الجهات المعنية لإعداد مشروع قانون لتعديل قانون العقوبات لتشديد الغرامات، والإسراع باستكمال «مشروع قانون لتنظيم إتاحة وتداول البيانات».
نحن إذن أمام رؤية تحقق التوازن بين تحقيق الشفافية وتوافر المعلومات والبيانات، وحماية المعلومات والبيانات السرية، وفى الوقت نفسه يتحقق الردع والتصدى الفعال للشائعات.
ألمس الجدية فى دخول الحكومة على الخط لمواجهة الشائعات، بعد التنسيق غير المسبوق بين الوزارات والهيئات المعنية، مثل وزارات الداخلية، والعدل، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والأوقاف، والشباب والرياضة، والهيئة القومية لسلامة الغذاء، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام.
والعنصر الحاسم فى نجاح أى منظومة رقمية هو الاستثمار فى العنصر البشرى، ولذلك فإن تكليف وزارة الاتصالات بوضع برنامج تدريبى متخصص للعاملين فى مختلف جهات الدولة لرفع قدراتهم الفنية فى تتبع الشائعات يمثل خطوة مهمة على طريق المواجهة.
وأتمنى أن تصدق الحكومة فيما جاء فى بيانها عن إيمانها بحرية الرأى والإعلام، المكفولة بنص الدستور، وأنها تقدِّر هذا الدور، وترحب بالآراء البناءة.
هذا التأكيد مهم لطمأنة الصحفيين والإعلاميين أن الهدف ليس تقييد الحريات، بل حماية الدولة والمجتمع من الحملات المغرضة التى تختبئ خلف شعارات حرية التعبير.
الفرق واضح بين النقد الموضوعى الذى تتفاعل معه الحكومة، وبين المحاولات التى لا تهدأ لزعزعة الثقة فى الاقتصاد الوطنى، خاصة فى ظل المؤشرات الإيجابية العديدة خلال هذه الفترة، والصادرة من المؤسسات الدولية، والتى تدعونا للتفاؤل، دون مزاحمة من الشائعات وحملات التشكيك.
المنظومة التى تعمل الحكومة المصرية على تطويرها تمثل نموذجاً متكاملاً، طالما نادينا بوجوده لمكافحة الشائعات.
التكامل مطلوب -ومهم- بين التطور التكنولوجى للمنصات الذكية، وتعزيز المنظومة التشريعية بالقوانين الرادعة، والبناء المؤسسى لوحدات الرصد والتنسيق، والاستثمار البشرى عبر برامج التدريب، مع استهداف التوازن المطلوب بين الحماية والحريات.
فى عصرنا الحالى، حيث تتحول الشائعات إلى سلاح مدمر، ويتم استهداف الدول بحروب الجيل الخامس، فإن وجود منظومة وطنية لمجابهة هذا الخطر الداهم لم يعد ترفاً فكرياً، أو مطلباً ثانوياً خارج إطار الأولويات، لكنه ضرورة أمنية وقومية. وحماية الاقتصاد الوطنى، والمجتمع المصرى، والدولة الوطنية، من الحملات المغرضة مسئولية وطنية مشتركة، تتطلب تعاوناً بين الحكومة والمؤسسات الإعلامية، والمواطنين الواعين أيضاً.
هذه الجهود الحكومية الجادة تستحق التأييد، كونها تمثل خط دفاع أساسياً عن استقرار الوطن ومسيرة تنميته، فى مرحلة بالغة الأهمية من تاريخ مصر الحديث، وعلينا الترقب والانتظار للتيقن من جدية المواجهة.