أدباء الأقاليم (2)

يفرق الناقد د. مجدى توفيق بين تعبير الأدب عموماً عن حال المهمشين، ويعزوه إلى أسباب عديدة منها تصاعد الوعى الاجتماعى بوجود فئات كثيرة مهمشة أو مستبعدة فى الأحياء الشعبية والصعيد والنوبة وبدو الصحراء الغربية وسيناء، وبين «أدباء الهامش» الذى أصبح شعاراً ثقافياً رفعه أدباء شبان منذ تسعينات القرن العشرين، وأنتجوا فيه أعمالاً لفتت الأنظار بشدة، مبتعدة عن فكرة الهامش والمهمش التى ظهرت فى أعمال الرواد مثل حرافيش نجيب محفوظ وأبطال «المعذبون فى الأرض» لطه حسين، ليضيفوا ملامح تقنية جديدة على هذا اللون من الكتابة، مثل الرصد الخارجى الدقيق لتفاصيل المشهد اليومى المبتذل والمهمش الذى قد يحمل دلالة نفى الإنسان واغترابه عن العالم.
وتتعدد شكاوى أدباء الأقاليم أو الأطراف، وتعلو عند بعضهم فيصفها بـ«الاضطهاد»، وهى تدور حول مسألة تجاهلهم إعلامياً وثقافياً، فى الغالب الأعم، لا سيما فى ظل ارتفاع كُلفة انتقالهم وإقامتهم فى العاصمة ليعرضوا كتاباتهم، أو يشاركوا فى الفعاليات الثقافية. كما يشكون من ضعف قدرتهم على اختراق شبكات المصالح، أو الشللية، التى يتسم بها الوسط الثقافى، وهناك بينهم من يتحدثون عن أن الناشرين لا يفتحون أمامهم السبل التى يتيحونها لأدباء العاصمة. ويوجد من يقول، ولديه كل الحق، إن توزيع الكتاب خارج العاصمة ضعيف، ما يحرم جمهورهم المحلى من الوصول إلى كتبهم، وبالتالى اتساع قاعدة مقروئيتهم. ويوجد من يتناول الميزانيات الهزيلة التى تخصص لقصور الثقافة وبيوتها فى الأقاليم، وهو رأى صائب على أى حال.
يسمع أدباء العاصمة هذه الشكاوى خلال «مؤتمرات أدباء الأقاليم» التى يعتبرها الكتاب هناك، طوق نجاة من التجاهل والغياب الأدبى والإعلامى وفرصة للاحتكاك بمشاهير الأدباء ومناقشة القضايا الثقافية، حسبما ذهب الكاتب حمدى أبوجليل.
يُعقد مؤتمر أدباء الأقاليم مرة كل عام فى واحدة من محافظات مصر، ويحرص هؤلاء الأدباء على حضوره، يهلون عليه فرحين من القرى وشوارع المدن المجهدة، ويتمسكون به، وتتعامل معه السلطة الثقافية المركزية باعتباره فرصة لتطييب خواطر هؤلاء المغبونين، والتربيت على أكتافهم، وتجديد عزمهم لمواصلة الكتابة، ومنحهم قبساً بسيطاً من الأمل، بما لا يحولهم إلى طاقة غضبية.
وفى كل سنة يعود أدباء العاصمة ليتحدثوا عن مواهب مدفونة التقوها فى مدينة من المدن، وها هو واحد منهم هو الأديب خالد الخميسى يحكى تجربته مع أدباء أسيوط، الذين سمع منهم شعراً وقصصاً بديعة، قائلاً: «قام أحد الحضور وسألنى: لماذا كل هذا الإهمال لأدباء الأقاليم؟، لماذا تتركوننا هكذا دون أى دعم؟، فسألته من (النا) فى تتركوننا؟، فرد قائلاً: أنتم. سكان القاهرة. تعجبت من سؤاله وقلت له إننى لم أشهد أبداً فى القاهرة والإسكندرية هذا المستوى من التعليقات والنقاشات والأشعار والقصص بين الحضور، فما رأيك أن تهتموا أنتم بنا قليلاً؟.. منذ هذا اليوم وأنا أشعر بالغضب الشديد من استعمال كلمة: الأقاليم».
مع هذا هناك من يرفض تعبير «كاتب إقليمى» مثل أحمد أبوخنيجر، الذى يراه تركيباً سيئاً وغير صحيح اخترعه نقاد كسالى لأنهم دائماً يضعون الكتاب فى دواليب وقوالب جاهزة، ويستنكر سؤال الكاتب عن محل إقامته أو إقليمه، لأنه سؤال عبثى لا يمت للإبداع بصلة، بينما السؤال الأكثر جدارة هو: هل توجد كتابة مبدعة أم لا؟، ثم يقول: «لم يسأل أحد أين يقيم ماركيز مثلاً، باتريك زوسكند صاحب الرواية الشهيرة (العطر) يقيم فى مكان ريفى فى النمسا ولا يقابل أحداً وهو متفرغ تماماً لإبداعه».
ينطوى هذا الرأى، الذى لا يخلو من وجاهة، على رفض صاحبه لاصطلاح «أدباء الأقاليم»، وهو موقف ما كان له أن يخرج على هذا النحو لو لم يكن صاحبه متحققاً من بعيد، ما يعنى، وبمفهوم المخالفة، أن من يتمسكون به لا تخلو آراؤهم من وجاهة أيضاً، إن خلت من استعذاب الشكاية، أو اتخاذ المسافة البعيدة تكئة لتبرير قلة الإبداع من حيث الكم، وضآلته من حيث الكيف، وعدم بذل أى جهد فى كسر هذه المسافة أو تقريبها، أو التقاط منافع صغيرة من اعتماد الاصطلاح والإصرار عليه.
فالحقيقة الواضحة الآن، وبعيداً عن بروز أفراد قلائل فى أماكنهم البعيدة، أن بُعد المسافة فى بلادنا يظل عاملاً قوياً للتهميش، وإلا ما اضطر كتاب كثيرون، وعبر أجيال متلاحقة، إلى المجىء للقاهرة بحثاً عن تحقق، أو حيازة مكانة أدبية مُرضية.
وقد يظل رفع المصطلح فرصة متجددة للفت الانتباه إلى أن فى الأقاليم كُتاباً أيضاً، وأن رعايتهم واجبة، والذهاب إليهم فى أماكنهم ضرورة، كى يظل نهر الكتابة المصرى متدفقاً.