الاستثمار في الوعي (2)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

يمتلك المثقفون من الأكاديميين والكُتاب والفنانين والباحثين سلطة التأثير الناعم والعميق، ويتجاوز دورهم الانحياز لهذا الحزب أو ذاك، أو لتيارات سياسية، وواجبهم إضاءة الطريق للأمة كلها، بكل أطيافها، وطبقاتها.

المهمة السامية للمثقفين هى نزع الطابع الغامض عن العمل السياسى، وتبسيط المفاهيم الدستورية والقانونية والنظم الانتخابية (الدوائر، والقوائم، والتمثيل النسبى)، بلغة واضحة للجميع. وكذلك تبسيط المفاهيم الديمقراطية والمعقدة، وربطها بالواقع اليومى للمواطن، وإبراز العلاقة الوثيقة بين القرارات البرلمانية وجودة الحياة.

المثقفون هم بوصلة المجتمع نحو الوعى، كما أنهم رعاة أى مشروع لتجديد الفكر السياسى، كما أن دورهم يتجاوز التحليل الأكاديمى، إلى المشاركة الفاعلة فى صناعة هذا الوعى الجمعى. ونأمل أن يتحول المثقفون إلى جسور بين النظرية والتطبيق، من خلال كتاباتهم ومحاضراتهم وبرامجهم الإعلامية، التى تشرح كيفية تحويل الصوت الانتخابى إلى سياسات عامة فعالة.

وعليهم -كواجب وطنى- نقد الأداء السياسى بموضوعية، والكشف عن محاولات تزييف الوعى، أو استغلال الجهالة السياسية لدى البعض. بهذا يصبح المثقف حارساً للضمير الجمعى ومرشداً نحو الاختيار الرشيد، ليكون المواطن قادراً على المفاضلة بناءً على معايير موضوعية. المثقفون هم الأجدر بصياغة خطاب وطنى جامع، والمساعدة فى بلورة «أجندة وطنية» تتجاوز الخلافات الحزبية الضيقة، وتركز على الثوابت والقضايا الكبرى، كالسيادة الوطنية، والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

وعليهم جميعاً محاربة اللامبالاة، وإعلاء قيمة المشاركة فى الاستحقاقات الانتخابية، والتحذير من تبعات التخلى عنها، وإعادة إحياء مفهوم «المواطنة الفاعلة». أما عن منظمات المجتمع المدنى، فعليها ألا تكتفى بدور المراقب الموسمى للانتخابات، وأن تقوم بدورها كفاعل رئيسى فى عملية التثقيف الديمقراطى طويلة الأمد.

هذه المنظمات هى الأقدر على الوصول إلى القاعدة الشعبية فى القرى والنجوع والأحياء، ويجب أن تتحول جهودها ليس إلى الدعوة المجردة للمشاركة وفقط، وإنما إلى تنظيم برامج توعية ممنهجة، تشرح من خلالها، بلغة بسيطة ومباشرة، ما هو البرلمان؟ وكيف يعمل؟ وما علاقة النائب بدائرته؟ وكيف يمكن محاسبته؟
ويجب أن تنظم ورش العمل التى تحاكى قواعد ومراحل العملية الانتخابية، مما يسهم فى تكوين ناخب مستنير قادر على اتخاذ قراره بوعى. وكذلك إلقاء الضوء على آليات التشريع والرقابة، وأن تعرف المواطن العادى بحقوقه الدستورية، وأن صوته هو سبيله الوحيد للدفاع عن هذه الحقوق، والحصول على الخدمات التى تقدم له.

وعليها أيضاً أن تعمل على كسر حواجز العزوف، أو اللامبالاة، من خلال إظهار نماذج إيجابية لإبراز تأثير المشاركة الواعية فى تغيير الواقع المحلى. ويمكن لمنظمات المجتمع المدنى لعب الدور الأهم، فى مكافحة التضليل الانتخابى، وتفكيك خطاب الكراهية، ورفض الشراء السياسى للذمم أو الاستقطاب العائلى أو الطائفى.

تعد منظمات المجتمع المدنى من الركائز الأساسية فى بناء النظم الديمقراطية، وتعزيز مشاركة المواطنين عبر مبادراتها التى تستهدف جميع فئات المجتمع، خاصة الشباب والنساء، بالإضافة إلى مراقبة الانتخابات وضمان نزاهتها، لحماية إرادة الناخبين، وتعزيز الثقة فى العملية الديمقراطية ذاتها. هنا لن تقتصر مساهمة المجتمع المدنى على الانتخابات فحسب، وستتعداها إلى ترسيخ مبادئ المساءلة والحكم الرشيد، وأن تتحول إلى مدارس ديمقراطية مفتوحة للجميع.

للحديث بقية.