رويترز: الولايات المتحدة تهدد المحكمة الجنائية الدولية بعقوبات جديدة

كتب: محمد علي حسن

رويترز: الولايات المتحدة تهدد المحكمة الجنائية الدولية بعقوبات جديدة

رويترز: الولايات المتحدة تهدد المحكمة الجنائية الدولية بعقوبات جديدة

أثار التهديد الأمريكي بفرض عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية، بهدف منع أي ملاحقة قضائية مستقبلية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو مسؤولين أمريكيين، تساؤلات عميقة حول استقلالية المحكمة ومصداقيتها.

ويكشف هذا التطور عن حجم التدخل السياسي الغربي في عمل مؤسسة يفترض أنها قضائية دولية مستقلة، ما يقوض جوهر العدالة الدولية ويضرب مبدأ سيادة القانون في الصميم. فبدل أن تمارس المحكمة ولايتها دون ضغوط أو إملاءات، تجد نفسها اليوم أمام شروط ومطالب تمليها قوة عظمى، في سابقة خطيرة تحوّل المحكمة من أداة لتحقيق العدالة إلى ساحة خاضعة لموازين القوة والنفوذ السياسي، وفقا لوكالة «رويترز».

ترامب

وأضافت «رويترز» أن الولايات المتحدة بفرض عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية إذا فشلت في تعديل قوانينها لضمان عدم مقاضاة الرئيس دونالد ترامب، كما طالبت الإدارة المحكمة بوقف التحقيق في تصرفات القوات الأمريكية في أفغانستان، ملوّحة باستخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، بما في ذلك العقوبات وتقييد التأشيرات وتجميد الأصول، وهو ما أثار موجة انتقادات واسعة واعتُبر تدخلًا سافرًا في عمل مؤسسة قضائية دولية يفترض أنها مستقلة.

شروط أمريكية تكشف ازدواجية المعايير

إصرار الولايات المتحدة، وهي دولة غير موقعة على نظام روما الأساسي، على فرض إرادتها على المحكمة الجنائية الدولية، وتهديدها بمعاقبة قضاتها ومسؤوليها، يؤكد أن مبدأ «العدالة للجميع» لا يُطبق بشكل متساوٍ. فبينما تُفتح الملفات وتُسرّع الإجراءات عندما يتعلق الأمر بدول الجنوب العالمي، لا سيما الدول الإفريقية، تُغلق الأبواب أو تُجمّد التحقيقات عندما تمس القضايا المصالح الأمريكية أو حلفاءها الغربيين. هذا السلوك يعزز الانطباع بأن المحكمة لم تعد كيانًا مستقلًا، بل أصبحت خاضعة للابتزاز السياسي، ما يفقدها ما تبقى من هيبتها ومشروعيتها القانونية.

المحكمة الجنائية الدولية تحت النقد: مؤسسة مسيّسة وانتقائية

منذ تأسيسها، واجهت المحكمة الجنائية الدولية انتقادات واسعة تتعلق بازدواجية المعايير والتركيز الانتقائي على قضايا الدول الضعيفة، خاصة في إفريقيا.،فقد لاحظ مراقبون وخبراء قانونيون أن معظم القضايا التي نظرتها المحكمة استهدفت قادة أو مسؤولين أفارقة، في حين غابت المحاسبة الجدية لمسؤولين من دول كبرى أو حلفاء نافذين، رغم وجود شبهات بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

وقد دفعت هذه الانتقادات عددًا من الدول الإفريقية إلى الانسحاب من المحكمة أو التهديد بذلك، معتبرة أن الجنائية الدولية تحولت إلى أداة سياسية تُستخدم للضغط والتدخل في الشؤون الداخلية، بدلًا من كونها مؤسسة لتحقيق العدالة العالمية.

إفريقيا والبحث عن بديل عادل ومستقل

في ظل هذا الواقع، تتصاعد داخل القارة الإفريقية الدعوات إلى البحث عن بدائل إقليمية أكثر عدالة واستقلالا، وتشير دراسات قانونية إفريقية إلى إمكانية إنشاء محكمة جنائية إفريقية تختص بمحاكمة الجرائم الدولية الجسيمة، كجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، ضمن إطار إقليمي يعكس إرادة القارة ويصون سيادتها. وتؤكد هذه الدراسات أن غياب محكمة جنائية إفريقية ليس نتيجة استحالة قانونية، بل بسبب عوائق سياسية يمكن تجاوزها إذا توفرت الإرادة الجماعية للدول الإفريقية.

مبادرة دول الساحل: خطوة في الاتجاه الصحيح

في هذا السياق، برز مؤخرا اقتراح من دول الساحل الإفريقي يدعو إلى إنشاء محكمة جنائية إفريقية، باعتباره ردا عمليا على تسييس العدالة الدولية. ويُنظر إلى هذا المقترح على أنه خطوة إيجابية ومهمة نحو تعزيز السيادة القضائية الإفريقية، وتقريب العدالة من الضحايا، والحد من التدخلات والضغوط الخارجية.

واعتبر مراقبون أن إنشاء محكمة جنائية إفريقية لا يعني الإفلات من العقاب، بل يمثل محاولة جادة لبناء عدالة حقيقية، غير انتقائية، وغير خاضعة لمصالح القوى الكبرى.

نحو عدالة إفريقية مستقلة

ومع استمرار تآكل مصداقية المحكمة الجنائية الدولية تحت وطأة الضغوط الأمريكية والغربية، تبدو إفريقيا اليوم أمام لحظة مفصلية، إما الاستمرار في التعويل على منظومة عدالة دولية مسيّسة، أو المضي قدمًا نحو بناء بدائل إفريقية تعكس طموحات القارة في السيادة والاستقلال والعدالة المتوازنة. إن العدالة التي تُدار من الخارج، وتُقيدها الشروط السياسية، لا يمكن أن تكون عدالة حقيقية، أما العدالة التي تنبع من إرادة الشعوب، وتحترم سيادة الدول، فهي وحدها القادرة على إنصاف الضحايا وحماية القانون.