«البحث عن الأحباب».. رحلة بين الجثث المحترقة والمشوهة لـ«إكرام الموتى»

كتب: رؤى ممدوح

«البحث عن الأحباب».. رحلة بين الجثث المحترقة والمشوهة لـ«إكرام الموتى»

«البحث عن الأحباب».. رحلة بين الجثث المحترقة والمشوهة لـ«إكرام الموتى»

فى لحظة صمت قاتلة كان الضوء البارد المنبعث من شاشة العرض فى غرفة صغيرة داخل مستشفى مجمع ناصر الطبى بخان يونس جنوب قطاع غزة، يرتجف فوق ملامح هدى مسمح، الشابة العشرينية، التى جلست أمام الشاشة تتشبث بيديها، وهى تعرض الصور واحدة تلو الأخرى، وكان المشهد مرعباً فالأجساد بلا ملامح، والأطراف مبتورة، والوجوه غاب عنها كل ما يشبه الحياة.

كان المسئول يقلب الصور ببطء، بينما كانت «هدى» تشعر أن أنفاسها تتقلص كلما اقتربت الصورة التالية ولم تكن تتخيّل يوماً أن تبحث عن زوجها بين جثث كهذه، لكنها كانت تنتظر أن تتعرف على شريكها ورفيق دربها أحمد أبوصعيليك، أو على أى شىء منه.

«هدى» القادمة من دير البلح، تزوجت من «أحمد»، 27 عاماً، وانتقلت للعيش فى خان يونس، عشرة أشهر فقط جمعت بينهما قبل أن يرحل فى العدوان الإسرائيلى على غزة فى السابع من أكتوبر عام 2023، تاركاً خلفه زوجةً حاملاً، وبيتاً بالكاد بدأ يتشكّل، وبعد يومين من استشهاده، جاء ابنه «محمد» إلى الحياة، وهى اللحظة التى وصفتها «هدى» بأن الحزن فيها غلب كل شعور آخر.

وقالت: «ما قدرت أفرح، أحمد كان بيستناه أكتر من أى شىء فى الدنيا»، وبعد مرور عامين على الفقد، ظلت خلالهما الزوجة العشرينية تلاحق الأخبار، تترقب كل جثمان يصل إلى غزة، وكل رابط تنشره وزارة الصحة، إلى أن جاءها اتصال من شقيقة زوجها قالت فيه: «غداً سيعرضون دفعة جديدة من الجثامين التى أعادها الاحتلال، وسنذهب للتعرف عليه»، لتمضى «هدى» ليلتها فى بيت خالتها، الأقرب لمستشفى ناصر، وفى الصباح كانت أمام الشاشة التى غيّرت كل شىء.

«هدى»: تشوه الجثث وغياب ملامحها يشعل الخلافات بين الأسر على الجثامين رغم قسوة المشهد

وحكت «هدى» أنه رغم فظاعة المشهد إلا أنهم تابعوا مشاهدته عبر الشاشة الكبيرة فى ساحة المجمع الطبى، وخلال ذلك ظهرت دلائل كثيرة توحى أن ذلك الجثمان يعود لزوجها، البلوزة التى لم يرتدها أحد غيره، العلامة القديمة فى كفّ القدم، تشابه الأظافر مع والده، بدا الأمر وكأن اليقين يقترب، لكن المفاجأة جاءت سريعة، أخبرهم فريق المستشفى أن الجثمان ذاته كانت قد تسلمته عائلة أخرى، ثم عاد الملف للطب الشرعى، الذى كشف أن الجثة خضعت سابقاً لعملية جراحية، زائدة أو فتاق، الأمر الذى زاد من حيرتها.

وقالت «هدى» إنها لم تكن تعرف إن كان زوجها قد أجرى أى عملية جراحية أم لا، كما أنّ عائلته لم تكن متأكدة، حتى والدته التى قالت عبر الهاتف لزوجة الشهيد: «كان ناوى يعمل بس ما بعرف إذا صار فعلاً ولا لأ، دون تفاصيل إضافية، ليعود كل شىء إلى نقطة الصفر».

خرجت «هدى» من المستشفى وهى تشعر أن قدميها لا تحملانها، وقالت: «من شدة تشوه الجثث وغياب ملامحها فالأمر وصل إن ممكن أسرتين يختلفوا على جثمان وكل عيلة تقول إنه لفقيدهم، وما بصدق حتى اللحظة إنى اتحولت من عروسة صغيرة إلى أرملة بتدوّر على زوجها بين الجثث».

وتابعت والدموع تغرق وجهها: «أنا ماكنتش حابة أروح وأشوفه هيك كان نفسى تضل صورة أحمد إلى بعرفها واللى بحبها ببالى، بس لما شوفت صور الجثث المشوهة حسيت روحى من جوا تشوهت، المناظر لا أُخفيك صعبة وبتوجع القلب، عقلك وقلبك بيرفضوا يصدقوا إنه هوا هاد نفس الشخص إلى عاش معايا واتكلم معايا وأكل معايا». ورغم كل ما حدث، تتشبث الأرملة.

«سها»: أتحامل على نفسى للإجابة عن سؤال أبنائى حول مصير والدهم أسرة

وعلى مقربة من الزوجة المكلومة داخل مجمع ناصر الطبى، كانت رائحة الموت تسبق خُطى سها عبدالعال النازحة من رفح، كلما اقتربت من المكان، الذى يحتوى على مزيج خانق من الدخان والاحتراق والرطوبة الثقيلة التى تلتصق بالصدر وتبقى فيه لساعات وأمام الصفوف الطويلة من الجثامين المسجاة، كانت السيدة الثلاثينية تقف ثابتة من الخارج، منهارة من الداخل وتُمنى نفسها بشىء جديد لأن لسانها لم يتوقف عن ترديد السؤال ذاته منذ أكثر من 24 شهراً: «يا عبدالرحمن.. وينك؟»، فالضوء الأبيض الباهت المنعكس على الأكياس البلاستيكية كان يكشف ما تبقى من ملامح بشرية اختفت تحت النار والتشويه، كانت الجثث متقاربة، متجاورة، تتشابه إلى حد يُفقد العيون قدرتها على التمييز ومع ذلك كانت «سها» تنحنى أمام كل جثمان، تفتش بعينيها، علّها تلتقط أثراً يشبه زوجها الذى فقدته منذ السابع من أكتوبر ورغم أن الهواء ممتلئ برائحة الجثث التى لا تُطاق، كانت تتحامل على نفسها لتجد إجابة عن سؤال ابنيها، أربعة أعوام وعامان، عن والدهما إلاّ أنها كانت تعود كل مساء لتقول: «لسّه ما لقيتهوش».

فى هذا المكان الذى يتكدّس فيه الألم فوق الأرض الباردة، أدركت «سها» أنها تقف أمام سلسلة طويلة من المجهول، والبحث بين جثث محروقة لا تحمل أسماء، وبين وجوه محطمة لا تشبه أصحابها كانت تعرف أن القلة فقط تمكنوا من التعرف على أحبّتهم، وأن المئات، ربما ألف جثمان، ما زالوا بلا هوية، وروت رحلتها التى استمرت لمدة أسبوع بين الجثامين للعثور على زوجها عبدالرحمن جربوع، بأنها بمجرد وصولها إلى بوابة المستشفى وتحديداً داخل الغرفة التى يرقد داخلها الشهداء، تصبح خطواتها ثقيلة لتسير ببطء، وقالت: «بتجنب النظر الطويل للجثامين حتى لا ينهار ما تبقى من تماسكى، ولكن غصب عنى لازم أتفحص منيح لأن عبدالرحمن اللى استشهد وهو بعز شبابه وعمره 28 سنة يستاهل إننا نودعه ونكرمه بدفنه».

وواصلت: «بين كل جثمان وآخر، بستعيد مشاهد من أيامى معاه، ضحكته فى صباحات البيت، صوته وهو يرفع طفله الصغير، خطواته وهو راجع للبيت ومعاه الطلبات، تفاصيل بسيطة بس هذه حياتى كلها ولما الجميع بينام بيبدأ تفكيرى يزيد وما بهدأ، بسأل نفسى هل عبدالرحمن كان من ضمن الجثامين بس ما قدرت أعرفه، ولا هو فى مكان لسه ما وصلنا ليه، طيب هو حاسس بيا وبحرقة قلبى عليه والمجهود اللى بسويه عشان ألاقيه؟»، لتستعد من جديد لرحلة البحث بين الموتى وعن نهاية تُنهى عذاب الانتظار حتى لو كانت موجعة.

ابو كايد

أسرة «أبوكايد»: جثة والدنا كانت مكبّلة اليدين ومعصوبة العينين ومنزوعة الأعضاء وعليها آثار تعذيب وتعرفنا عليه من شعره

ولم تكن رحلة البحث عن جثمان الشهيد الستينى محمد كلاب، المعروف فى حارته باسم العم «أبوكايد»، الذى ينحدر من مدينة غزة، بالأمر اليسير، حيث انقطعت أخباره فى شهر ديسمبر 2023، فيما كانت أسرته تعيش على أمل اللقاء به، وبعد أسابيع من الانتظار وصلتهم معلومة بأنه أُخذ أسيراً لدى الاحتلال لم يعرفوا متى ولا كيف، ثم جاء الخبر الآخر «أبوكايد استشهد»، ولم تُسلَّم جثته فوراً، وفى أكتوبر الماضى، عاد الجثمان أخيراً ضمن الشهداء الذين أعادهم الاحتلال إلى غزة، وتقول عائلته إن جثته كانت مكبّلة اليدين ومعصوبة العينين وعلى جسده آثار تعذيب، وكانت أعضاؤه منزوعة، وتمكن أبناؤه من التعرف عليه لأن شعر رأسه وملامحه واضحة، ليقفوا مذهولين أمام هذا المشهد قبل أن يحملوه إلى مثواه الأخير.