«دير البلح».. وداع صامت للشهداء في أكبر مدفن للمفقودين
«دير البلح».. وداع صامت للشهداء في أكبر مدفن للمفقودين
لم تكن الأرض القاحلة جنوب مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، تبدو يوماً كأنها ستحتضن عشرات أجساد مجهولة الهوية، فعلى امتداد مساحة واسعة من الرمل الأصفر، تحيط بها بقايا أشجار يابسة فقدت أوراقها، وهدوء ثقيل يشبه ما قبل الانهيار، وفى قلب هذه الأرض ظهرت المقبرة الجديدة، فقيرة الملامح، بلا أسوار ولا شواهد، فقط حجارة صغيرة متناثرة تحدد حدود الحفر العميقة التى ستُدفن فيها الجثامين المجهولة، التى أعادها الاحتلال الإسرائيلى إلى غزة بعد احتجازهم لأشهر، أو ممن تم انتشالهم من تحت البيوت المهدمة وباتوا رفاتاً بلا ملامح.
كان المكان يخلو من أى مظهر يشبه مقابر المدن، لا قبور مرتبة ولا أسماء محفورة على الرخام، ولا ظل شجرة يستند إليه الزائرون، فقط صفوف من الحفر الترابية المتلاصقة، فوقها يتحرك رجال الدفاع المدنى، والإسعاف، والهلال الأحمر الفلسطينى ببدلاتهم الطبية البيضاء الثقيلة الملطخة بالغبار، وجوههم نصف مغطاة بالكمامات، يمشون بخطوات بطيئة فى صمت لا يقطعه سوى صوت المجارف وهى تحتك بالرمل.
إقامة صلاة الجنازة على الجثامين بعد حضور ممثلي «الأوقاف والشئون الدينية».. والدفن في مقابر جماعية مقسمة إلى حجرات صغيرة لتؤوى أجساداً مجهولة
وعلى الأطراف يقف عدد من الأهالى بقلوب ترتجف، يبحثون فى هذا الفراغ عن أثر يربطهم بمن فقدوهم، بينما تمتد فى الهواء رائحة الموت، فيما يتجمع آخرون جاءوا فقط لقراءة الفاتحة على غرباء صاروا فى لحظة أبناءهم جميعاً، فى انتظار انتهاء الإجراءات لبدء مرحلة جديدة من عملية الدفن، فيما بدت المقبرة كأنها ثقب أسود يبتلع وجوهاً بلا أسماء، ولم يكن أهل دير البلح يتخيّلون أن قطعة الأرض الهادئة على أطراف المدينة الوسطى ستتحول يوماً إلى واحدة من أكثر الأماكن قسوة فى ذاكرة قطاع غزة، حيث حملت المقبرة المستحدثة اسماً يختصر حجم الفاجعة «مقبرة الأرقام».

أما المقبرة نفسها فلا تشبه أى مقبرة عرفتها غزة. هى حفرة كبيرة مقسمة إلى حجرات صغيرة متراصة بجانب بعضها، غرف ترابية صارت المأوى الأخير لأجساد لم يعرف الناس أسماءها، ولم تُكتب فوقها شواهد قبور. فى كل حجرة يُوضع جثمان الشهيد داخل كيس أبيض أو أزرق اللون محكم الإقفال، ثم يُهال التراب فوقه بعناية بطيئة، فى محاولة أخيرة لمنحه قدراً بسيطاً من السكينة، لا يُشبه شيئاً مما سبق موته. وقبل أن يُنقل الشهداء إلى «مقبرة الأرقام»، كانت لحظة الوداع تبدأ من ساحة مجمع ناصر الطبى فى خان يونس. حيث تُقام هناك صلاة الجنازة على الجثامين بعد حضور ممثلى وزارة الأوقاف والشئون الدينية، إذ يقف الأطباء إلى جانب الممرضين ورجال الإسعاف وعدد من الأهالى، فيما يتقدم أحد الكوادر المكلفين بتسلم الجثث ليقرأ أسماء غير مكتملة، أو مجرد أرقام، تشير إلى الجثامين.

ويقول إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامى الحكومى فى غزة، إن الطواقم الطبية الفلسطينية كانت قد تسلمت هذه الجثامين من الاحتلال بعد احتجاز طويل، أو بعد انتشالها من تحت أنقاض الأحياء التى تعرضت لقصف جوى مركز. لافتاً إلى أن كثيراً من هذه الجثث وصلت بلا ملامح، بلا أطراف، أو محترقة إلى حد يستحيل معه التعرف، ما جعل احتمال تسمية أصحابها مهمة شبه مستحيلة، وتابع: «ومع تزايد أعداد الشهداء المجهولين باتت مقبرة الأرقام ضرورة مؤلمة، لكنها المكان الوحيد الذى يمكن أن يحتضنهم بكرامة».