«غرفة التشريح».. توثيق فصل جديد من مأساة المدافعين عن الأرض والعرض

كتب: رؤى ممدوح

«غرفة التشريح».. توثيق فصل جديد من مأساة المدافعين عن الأرض والعرض

«غرفة التشريح».. توثيق فصل جديد من مأساة المدافعين عن الأرض والعرض

فى زاوية باردة داخل غرفة يتكدس فيها عدد من الجثامين، وقف الدكتور أحمد ظهير، مدير دائرة الطب الشرعى فى مستشفى ناصر الطبى بمدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، أمام طاولة معدنية باردة، يرفع الغطاء الأبيض بحذر، كأنه يزيح ستاراً عن فصل جديد من المأساة، ويخترق أنفه مزيج من رائحة المطهّرات، فيما تتدلّى مصابيح الغرفة فوق أحد الجثامين التى طُمست ملامحها وباتت مجهولة الهوية، لتنثر ضوءاً شاحباً يكشف آثاراً لا تُرى لأول وهلة، جثة تعرضت للتحلل والتعفن، معصوبة العينين، اليدان مكبّلتان، الجلد يحمل آثار طين وتراب وندوباً غائرة، وأعضاء غابت من أماكنها فيتجمد الطبيب لثوان، قبل أن يباشر عمله فى الفحص ووصف المشهد.

منذ بدء تنفيذ وقف إطلاق النار يعيش مدير دائرة الطب الشرعى واحدة من أكثر المهام قسوة فى مسيرته الطبية، حيث يستخدم المستشفى وسائل بدائية لتحديد هوية الضحايا، فى ظل غياب أجهزة فحص الحمض النووى فى غزة، وقال إن الاحتلال الإسرائيلى أخذ بصمات الإبهام وعينات من الفخذ لإجراء الفحوصات الوراثية ولا نعلم ما إذا كانت ستسلم نتائجها لنا أم لا.

«ظهير»: تدمير مختبرات غزة ونقص الإمكانيات جعل من فحص الحمض النووى حلماً بعيد المنال

وأضاف أن فرق الطب الشرعى الأربعة فى مستشفى ناصر تعمل على توثيق الجثامين، وتصويرها وتقدير زمن الوفاة رغم الإمكانيات المحدودة، وعملية التعرف على الهوية تعتمد على ملامح الجسد، والملابس، والمقتنيات الشخصية.

ووصف الطبيب رحلة الجثمان منذ لحظة وصوله إلى القطاع، قائلاً: «فى البداية يتم وضع الشهداء فى ثلاجات كبيرة مدون عليها أرقام فقط بلا أسماء، وأكياس بلا أى وثيقة، ولا يصلنا أى معلومة عن هوية الشهداء أو ظروف استشهادهم، رغم أن الاحتلال يعلم جيداً هوية كل شهيد يقوم بإرساله، وبالتالى فإن عملنا يبدأ من الصفر بالكامل».

وواصل «ظهير» وهو يشير بيده إلى غرفة الفحص: «هناك يبدأ الفريق الطبى عملية دقيقة، حيث يقوم بتصوير الجثمان من كل الزوايا وتوثيق الندوب والملابس، بالإضافة إلى التقاط صور لكل ما يرافق الجثمان، سواء ساعة، خاتم، قطعة قماش، أى شىء يمكن أن يساعد عائلة تبحث عن فقيدها، ثم تُنشر الصور لاحقاً عبر صفحة وزارة الصحة الفلسطينية، وتُعرض فى مستشفى الشفاء ومجمع ناصر الطبى، ويقف الأهالى لساعات طويلة أمام الشاشات الضخمة، يدققون فى الوجوه المشوهة، فى ملامح بالكاد تبقى، ورغم قساوة التجربة إلا أن التعرف على الجثامين ليس المهمة الأصعب، فمع تدمير مختبرات غزة ونقص الإمكانيات، بات فحص الحمض النووى حلماً بعيداً.

وتابع: «من المستحيل الاحتفاظ بالجثامين لفترات طويلة، فالكهرباء تنقطع، والثلاجات لا تكفى، والمستشفيات تستقبل شهداء بشكل يومى، لذلك تعتمد الوزارة قاعدة وهى مضطرة لها وهى إن لم يتم التعرف على الجثمان خلال أسبوعين، يُدفن فى مقبرة جماعية».

وبين جثمان وآخر، يواجه الطبيب ما هو أبشع من الموت بسبب آثار التعذيب الواضحة، والأيدى المكبّلة، والأرجل المربوطة، والعيون المعصوبة، والأجزاء المبتورة بخلاف جثامين أخرى تحمل علامات إطلاق نار مباشر فى الرأس، أو سحق بجنازير الدبابات، وفى هذه اللحظة يقول الطبيب بثبات يخفى غضباً وحزناً: «هذه ليست وفاة طبيعية فى ساحة اشتباك، هذه عمليات إعدام ميدانى بأسلوب متعمد». وقال: «الأكثر خطورة، هى الجثامين التى تحمل آثار تدخل جراحى احترافى فى منطقة الصدر، وهناك عدد من جثث الشهداء أعضاؤها مفقودة، وتحتوى على فتحات دقيقة، نفسرها نحن كأطباء على أنها شبهات قوية بسرقة أعضاء بشرية»، مشدداً على أن طواقمه وثّقت كل حالة.

وفى الوقت الذى يكتب فيه الطبيب ملاحظاته الأخيرة على أحد الجثامين، توقف لوهلة وهو يزيل قفازيه وصرخ: «الأصعب ليس ما نراه هنا، ولكن هى العائلات والأسر التى تنتظر أحبابها دون معرفة مصيرهم الحقيقى، ولا نملك لها سوى إخبارهم بالحقيقة مهما كانت مؤلمة».