قصة حياة جيفري إبستين السرية.. من مُدرس رياضيات إلى مليونير مدان

كتب: محمد عبد العزيز

قصة حياة جيفري إبستين السرية.. من مُدرس رياضيات إلى مليونير مدان

قصة حياة جيفري إبستين السرية.. من مُدرس رياضيات إلى مليونير مدان

في أوائل عام 1976، بدأ الملياردير الأمريكي والمدان بجرائم أخلاقية جيفري إبستين أولى خطواته داخل عالم النخبة المالية الأمريكية، رغم أنه لم يكن يملك أي مؤهل أكاديمي أو خبرة في «وول ستريت»، حيث كان يعمل مدرسًا للرياضيات والفيزياء في مدرسة دالتون الخاصة بنيويورك، وصل إلى هذا المسار عبر صدفة اجتماعية خلال حضوره معرضًا فنيًا بدعوة من أحد أولياء الأمور.

وفي تحقيق مطول كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، عن تفاصيل صعود جيفري إبستين وقصة حياته، وقالت الصحيفة الأمريكية إن المعلومات جاءت بعد شهور من البحث في أرشيفات خاصة، وسجلات قضائية وحكومية، ومقابلات مع عشرات من زملاء جيفري إبستين السابقين، وأصدقائه، وشركائه، وضحاياه الماليين.

أكثر الشخصيات الإجرامية غموضا في العالم

وتتضح صورة مختلفة عن واحدة من أكثر الشخصيات الإجرامية غموضًا في العالم، صورة لا تظهر عبقريًا ماليًا خارقًا أو عميلًا استخباراتيًا سريًا، بقدر ما تكشف عن محتال بارع بنى ثروته ونفوذه عبر الكذب، واستغلال العلاقات، والعمل الدائم على حافة الجريمة.

خلال المعرض، لفت «إبستين» انتباه ولي أمر آخر، ربطه لاحقًا بإيس جرينبيرج، أحد كبار التنفيذيين في بنك الاستثمار «بير ستيرنز»، المعروف بتحديه قواعد التوظيف التقليدية واعتماده على أصحاب «الطموح العالي» بدل خريجي جامعات النخبة، ورغم افتقار إبستين لأي معرفة بأساسيات العمل المالي، أعجب به جرينبيرج ومنحه فرصة العمل.

جاء التوظيف في لحظة حاسمة، إذ كانت إدارة مدرسة دالتون قد قررت الاستغناء عن إبستين بسبب عدم الرضا عن أدائه التدريسي، لينتقل فجأة من وظيفة غير مستقرة إلى منصب مصرفي براتب مرتفع بمعايير ذلك الوقت.

تعزز موقع إبستين داخل البنك بعد دخوله في علاقة عاطفية مع ابنة جرينبيرج، ما وفر له حماية غير معلنة داخل المؤسسة، غير أن هذه الحماية لم تمنع لاحقًا اكتشاف كذبه بشأن حصوله على شهادات جامعية، إذ أظهرت مراجعة سيرته الذاتية أنه لم يتخرج من أي جامعة.

وعندما وُوجه بالحقيقة، اعترف إبستين بهدوء تام، في واقعة اعتبرها مسؤولوه لاحقًا مؤشرًا مبكرًا على نمط سلوكي قائم على الجرأة في الكذب والقدرة على التلاعب بالآخرين، وهي السمات التي سترافق صعوده ونفوذه في السنوات اللاحقة.

إبستين

صعود في منتصف السبعينيات

بدأ صعود جيفري إبستين في منتصف السبعينيات حين انتقل من التدريس في مدرسة دالتون الخاصة بنيويورك إلى العمل في بنك «بير ستيرنز»، رغم افتقاره لأي مؤهلات مالية أو شهادات جامعية مكتملة.

لم يكن دخوله وول ستريت نتاج كفاءة، بل نتيجة شبكة علاقات اجتماعية نسجها بعناية، أبرزها قربه من قيادات نافذة داخل البنك، واستفادته من علاقات عاطفية منحته حماية غير معلنة.

داخل بنك «بير ستيرنز»، تعلم إبستين آليات النفوذ، كيف تُشترى الثقة، وكيف تُستخدم المكانة المؤسسية كغطاء، ورغم تورطه في مخالفات متكررة، شملت إساءة استخدام حسابات النفقات، وتمرير صفقات مميزة لصالح صديقاته، ومنح قروض غير قانونية، لم يُحاسب إلا شكليًا.

وعندما فُتح تحقيق داخلي بحقه عام 1981، فضّل الاستقالة على الخضوع للمساءلة، مغادرًا البنك محملًا بعلاقات ثمينة استثمرها لاحقًا.

بعد خروجه من «بير ستيرنز»، بدأ إبستين مرحلة أكثر جرأة، مستغلًا سمعته السابقة في البنك لاجتذاب ضحايا جدد، نفذ عمليات احتيال مالي، من بينها الاستيلاء على مئات آلاف الدولارات من مستثمرين أفراد، وشارك في صفقات غامضة، وادّعى العمل كـ«صائد جوائز» لتعقب أموال مخفية في الملاذات الضريبية، محققًا أولى ثرواته الكبرى.

جيفري إبستين

استخدام النساء كجسور للعبور إلى رجال المال والسياسة

خلال الثمانينيات، شق «إبستين» طريقه إلى الأوساط الاجتماعية الأشد حصرية في نيويورك، مستخدمًا النساء، صديقات، عشيقات، ومساعدات شابات، كجسور للعبور إلى رجال المال والسياسة، هذه الشبكة لم تمنحه فقط فرصًا استثمارية، بل أسست لاحقًا للبنية التي استُخدمت في الاتجار الجنسي بالفتيات.

المنعطف الحاسم في ثروة إبستين جاء مع ارتباطه بالملياردير ليزلي ويكسنر، الذي منحه صلاحيات مالية غير مسبوقة، بفضل هذه العلاقة، انتقل إبستين من مليونير مشبوه إلى صاحب قصور وطائرات خاصة وجزر، وبنى نفوذًا سياسيًا واجتماعيًا واسعًا، مكنه من التبرع لسياسيين، ودخول البيت الأبيض، والتقرب من عائلات نافذة مثل كلينتون وروكفلر.

لم يكن هذا الصعود نتاج نجاح مشروع، بل حصيلة نمط متكرر، اختيار رعاة أثرياء، زرع الشك في محيطهم، إقصاء مستشاريهم، ثم الاستيلاء على المال والنفوذ باسم «الإدارة» و«الحماية».

ومع وصول جيسلين ماكسويل إلى حياته مطلع التسعينيات، اكتملت الحلقة الأخطر، حيث تداخل المال، والسلطة، والاستغلال الجنسي، في شبكة إجرامية انكشفت فصولها بعد عقود.


مواضيع متعلقة