الذكاء الاصطناعي.. إلى أين؟
كنت أتحدث تليفونياً مع سيدة من أقاربى وهى فى سن ليست بالشباب، وخلال مكالمتى معها علمت أننى كنت أنقب فى مكتبتى العامرة قبل الرد عليها باحثاً عن معلومة بشأن سياسى. فوجئت بها تقول لى: لماذا تجهد نفسك فى البحث، اسأل تشات جى بى تى! توقفت عن الكلام واندهشت لأنها تعرف أداة الذكاء الاصطناعى، وقالت لى: إننى أسأله عندما أريد معرفة أمر ما! كيف لهذه السيدة أن تعرف تشات جى بى تى! لكنى وجدتها تستكمل حديثها، ناصحة بأن أفعل كذا وكذا وأسأله عن كذا وكذا، وأن أحدد له كذا وكذا. وجدت أن الذكاء الاصطناعى صار رفيق حياة البشر، لا يستغنون عنه.
إلى أين سيأخذنا الذكاء الاصطناعى؟
هل تغوّل إلى درجة أن هذه السيدة غير الحاصلة على شهادات تعليمية تعرف عن التعامل مع أداة الذكاء الاصطناعى لدرجة أنها تنصح وتقترح طرق التعامل معه وكيفية استخلاص المعلومات؟ أقول: لم يعد الذكاء الاصطناعى بعيداً عن حياتنا أو مجرد فكرة خيالية تنتمى إلى أفلام الخيال العلمى، بل أصبح واقعاً ملموساً يتغلغل سريعاً فى شتى مجالات الحياة، من الطب والتعليم، إلى الإعلام والفن والصناعة وحتى الحروب. هذا التوسع المتسارع دفع مفكرين وصناع قرار وفنانين عالميين، ومنهم المخرج الشهير جيمس كاميرون، إلى التحذير من مخاطر سيطرته على الإبداع الإنسانى، وخاصة صناعة السينما التى لطالما عبرت عن روح الإنسان وخياله.
يتوقع الخبراء أنه فى المستقبل القريب من 5 إلى10 سنوات من المرجح أن نصل إلى أنظمة ذكاء اصطناعى أكثر قدرة على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. وأدوات تكتب، تصمم، تلحن، تشخص أمراضاً، وتدير مؤسسات كاملة. واعتماد واسع على الذكاء الاصطناعى كمساعد أساسى للإنسان، لا كبديل كامل له.
بدأ الذكاء الاصطناعى بالفعل فى احتلال مواقع بشرية فى وظائف محددة، خاصة فى الأعمال الروتينية والمتكررة والتحليل السريع للبيانات وخدمة العملاء وبعض مجالات الصحافة، الترجمة، والتصميم. لكنه لا يزال غير قادر على الإبداع العاطفى الحقيقى أو الحكم الأخلاقى وإجادة القيادة الإنسانية أو الفهم العميق للسياق الثقافى والإنسانى. وبمعنى أوضح أن الذكاء الاصطناعى لا يستبدل بالإنسان بصورة عامة، بل يستبدل الإنسان الذى لا يطور نفسه.
لانتشار استخدام الذكاء الاصطناعى نتائج إيجابية تتمثل فى تسريع التقدم العلمى والطبى وتحسين جودة الحياة وتقليل الأخطاء البشرية وفتح مجالات عمل جديدة لم تكن موجودة من قبل.
ولاستخدامه بتوسع سلبيات أيضاً، منها فقدان ملايين الوظائف التقليدية واتساع الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية، وتراجع القيمة الإنسانية فى الفن والإبداع. جوهر الخوف الذى عبر عنه جيمس كاميرون وغيره أن يتحول الإنسان من صانع للتكنولوجيا إلى تابع لها.
فى كل الأحوال، الذكاء الاصطناعى ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً. إنه يشبه النار فى بداياتها، استخدمها الإنسان للتدفئة والطهى فكانت نعمة واستخدمها للحرق والتدمير فكانت نقمة. المشكلة ليست فى الذكاء الاصطناعى نفسه، بل فيما سيستغله الإنسان باستخدامه. لذلك يصبح السؤال: ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعى بنا وماذا سنفعل به؟