فى اللحظات التى يختلط فيها صوت الرصاص بضجيج التأويل، لا يعود الحدث ملكاً للمكان الذى وقع فيه، بل ينتقل إلى فضاء أوسع، تختبر فيه الأفكار قبل الوقائع، وتوزن فيه الخطابات بميزان الفعل لا بميزان القول. وهنا تحديداً، تبدأ الأسئلة التى لا تحبها البيانات الجاهزة.
ولذلك تحوّل الحادث الإرهابى الذى وقع فى أستراليا منذ يومين من واقعة إرهابية دامية إلى كاشف سياسى وفكرى لطبيعة الخطاب الحركى المعاصر لجماعات الإسلام السياسى، وعلى رأسه خطاب جماعة الإخوان وتفريعاتها.
ففى الوقت الذى سارعت فيه المنصات الرسمية للإخوان إلى إدانة استهداف المدنيين والتأكيد على رفض العنف، التزاماً بخطاب منضبط يخاطب الغرب والمجتمع الدولى، ظهرت فى المقابل أصوات وحسابات ومنصات محسوبة على الجماعة، أو على تيارات امتدت منها، تثمِّن ما جرى أو تبرره أو تدرجه فى سياق «الرد المشروع».
هذا التناقض لم يكن طارئاً ولا عابراً، بل يعكس بنية فكرية راسخة لطالما جعلت تلك الجماعة تعيش بين خطابين، خطاب معلن للاستهلاك الخارجى، وخطاب تعبوى داخلى لا يرى فى العنف مشكلة مبدئية.
ولا يمكن فى هذا السياق الاكتفاء بتوصيف ما جرى باعتباره «انحراف أفراد»، إذ إن منصات مثل «حركة ميدان»، المنتمية للتيار الكمالى الإخوانى، تمثل امتداداً تنظيمياً حقيقياً داخل الجماعة. هذا التيار قاده تاريخياً عضو مكتب الإرشاد الراحل محمد كمال، وتبنّى بعد عام 2013 خيار «العنف الثورى»، وخرجت من عباءته تنظيمات مثل «حسم» و«لواء الثورة»، وأخيراً حركة ميدان، وقد اعتمد هذا الامتداد الشرعى خطاباً واضحاً يرى العنف أداة مشروعة تفرضها «المرحلة» ويبررها الشرع.
من هنا، يصبح الحديث عن انقسام الإخوان إلى صقور وحمائم بحاجة إلى إعادة ضبط، فالخلاف داخل الجماعة لم يكن يوماً خلافاً أخلاقياً أو عقائدياً بين دعاة سلمية وأنصار عنف، بل كان خلافاً وظيفياً على الوسيلة والتوقيت.
فالصقور والحمائم يشتركون فى الإيمان بشرعية العنف، ويختلفون فقط حول متى يستخدم، وكيف، وضد مَن.
الحمائم لا يرفضون العنف من حيث الأصل، بل يؤمنون بما يمكن تسميته «العنف المؤجَّل»، الذى يرحل إلى ما بعد اكتمال أدوات القوة، أما الصقور، فيرون أن لحظة الصدام قد حانت، وأن التأجيل لم يعد مجدياً.
هذا المنطق لا يمكن فهمه دون العودة إلى الجذر النظرى الأهم داخل الفكر الإخوانى، المتمثل فى خطاب سيد قطب، فقد وضع «قطب» إطاراً فكرياً يقوم على نظرية الجاهلية الشاملة، واعتبار المجتمعات التى لا تحكم بما أنزل الله مجتمعات غير شرعية، والقول بأن الجاهلية لا يجب إصلاحها، بل يجب أن تزال. صحيح أن قطب قسَّم المسار إلى مراحل، تبدأ بالتربية والعزلة الشعورية، وتنتهى بالحركة، لكن الصدام فى رؤيته يظل حتمياً، حتى لو تأخر. ومن هنا نشأ السؤال المزمن داخل الجماعة: هل ما زلنا فى مرحلة التربية، أم آن أوان الانقضاض؟
فى هذا السياق ذاته، تبرز دلالة عمر عبدالرحمن، الذى رثته دوائر إخوانية أو متعاطفة معها، رغم كونه أحد أبرز منظِّرى العنف الدينى فى العقود الأخيرة، ومباركاً لعمليات إرهابية كبرى، ورافضاً للمراجعات الفقهية، ومفتِياً بقتل نجيب محفوظ.
ورسالة الدكتوراه التى نالها «عبدالرحمن» والمعنونة بـ«موقف القرآن من خصومه كما تصوره سورة التوبة»، لم تكن بحثاً أكاديمياً محايداً بقدر ما كانت قراءة أبدية لآيات الصدام، تجرد النص من سياقه التاريخى وتحوله إلى قاعدة دائمة فى التعامل مع «الخصوم». والدلالة هنا لا تتعلق بشخص «عبدالرحمن» وحده، بل بكون خطابه أصبح هو الخطاب الرسمى لمشروع الإخوان وجماعات الإرهاب، ولذلك ليس غريباً عن بيئة فكرية أوسع داخل الإسلام السياسى، أن ترى فى الجهاد والعنف وسيلة مشروعة متى توافرت الشروط.
ومن الخطأ اختزال العلاقة بين الإخوان من جهة، وتنظيمات مثل داعش والقاعدة من جهة أخرى، فى معادلة التبعية التنظيمية المباشرة. الإخوان ليسوا داعش، لكن إنكار وجود جذور فكرية مشتركة يعد تضليلاً، فمفاهيم الحاكمية، والجاهلية، وتقسيم العالم إلى معسكرين، وانتقال أفراد من البيئة الإخوانية إلى التنظيمات الجهادية، والتلاقى المرحلى فى بعض ساحات الصراع، كلها حقائق لا يمكن تجاوزها. والاختلاف الجوهرى هنا لا يكمن فى المبدأ، بل فى إدارة العنف: داعش اختارت العنف الفورى الكاسح، والإخوان اختاروا غالباً العنف المؤجََّل أو المقنَّع، بينما قال التيار الكمالى صراحة إن زمن التأجيل قد انتهى.
من هنا، يصبح ما وقع فى أستراليا مرآة كاشفة، لا لحادثة بعينها، بل لبنية فكرية كاملة. مرآة تكشف ازدواج الخطاب الإخوانى، وتفضح هشاشة الفصل بين «السياسى» و«الجهادى»، وتظهر أن إدانة العنف ليست دائماً موقفاً مبدئياً، بل فى كثير من الأحيان إدارة صورة. فحين يثمن العنف إذا وقع بعيداً، ويدان إذا أحرج التنظيم، لا نكون أمام خلاف أخلاقى، بل أمام براجماتية أيديولوجية باردة.
وفى المحصلة، لن ينتج ما جرى فى أستراليا أزمة جديدة لجماعة الإخوان، بقدر ما يكشف عن حقيقة إخوانية مستمرة تقوم على خطاب يتبدل تبعاً للجمهور لا تبعاً للمبدأ. ولهذا، لم يعد السؤال الحقيقى هو ما إذا كانت الجماعة مع العنف أو ضده، بل متى تراه مناسباً… وتحت أى اسم.