فى تحول يُعد من أهم المتغيرات التي تشهدها السياسة الخارجية الأمريكية خلال العقود الأخيرة، تتجه واشنطن تدريجياً نحو مراجعة جذرية للعلاقة الاستثنائية التي ربطتها بإسرائيل منذ منتصف التسعينات، وهي علاقة كانت قائمة على دعم غير مشروط، سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، بغض النظر عن سلوك الحكومات الإسرائيلية أو التبعات الإنسانية والسياسية التي خلّفتها عملياتها العسكرية المتكررة في قطاع غزة والضفة الغربية والمنطقة.
نهاية الاستثناء الإسرائيلي.. واشنطن تبدأ إعادة صياغة العلاقة مع تل أبيب
نهاية الاستثناء الإسرائيلي.. واشنطن تبدأ إعادة صياغة العلاقة مع تل أبيب
هذا التحول، الذى ترصده مجلة «فورين أفيرز» فى تحليل مطوّل، جاء نتيجة إدراك متزايد داخل المؤسسات الأمريكية بأن «الاستثناء الإسرائيلى» لم يعد يخدم مصالح الولايات المتحدة، بل يضاعف المخاطر، ويقوّض ما تبقى من نفوذها الإقليمى، ويضعها فى موقع المدافع عن سياسات تتعارض مع مبادئها المعلنة، وتثير نقمة متصاعدة داخل الرأى العام الأمريكى.
تقول المجلة إن إسرائيل استفادت، على مدار ثلاثة عقود، من «شيك مفتوح» تمنحه واشنطن، يتضمن مساعدات عسكرية بلا شروط تقريباً، ودعماً دبلوماسياً يصل إلى حد استخدام «الفيتو» لإجهاض أى إدانة دولية لانتهاكات الاحتلال، إضافة إلى غضّ الطرف عن سياسات الاستيطان والتمييز وتجاوز القانون الدولى، هذا النهج، الذى لم تُمنح مثله أى دولة أخرى، انطلق فى منتصف التسعينات، مع إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، واستمر فى ظل الإدارات المتعاقبة، بما فى ذلك إدارة دونالد ترامب، وإن كان الأخير قد ذهب بهذا النهج إلى ذروته.
ومنذ مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين فى تسعينات القرن الماضى، مروراً بالانتفاضة الثانية عام 2000، ووصولاً إلى سلسلة الصراعات المتتالية فى غزة ولبنان، ثم هجوم «حماس»، فى 7 أكتوبر 2023 وما تلاه من «حرب إبادة جماعية» فى قطاع غزة، بقيت الإدارات الأمريكية المتعاقبة فى حالة اصطفاف كامل تقريباً مع إسرائيل، مانحةً إياها غطاءً سياسياً واسعاً، وتفوقاً عسكرياً نوعياً، دون شروط.
تؤكد الصحيفة، فى تقريرها، أن العلاقة مع إسرائيل تجاوزت كل الأطر المتعارف عليها، حتى مع الحلفاء الاستراتيجيين المرتبطين باتفاقيات دفاعية رسمية مع واشنطن، مشيرة إلى أنه قبل إدارة كلينتون، كان الوضع مختلفاً، إلى حد كبير، فقد مارست الإدارات الأمريكية المتعاقبة ضغوطاً علنية على إسرائيل، حين تتعارض سياساتها مع المصالح الأمريكية، أو مع القانون الدولى، بعض تلك الضغوط شمل تجميد مساعدات، أو التلويح بالعقوبات، وهى أدوات فقدت واشنطن شهية استخدامها تماماً بعد منتصف التسعينات، حين تبنت إدارة كلينتون «مقاربة جديدة»، تقوم على منح إسرائيل دعماً شبه مطلق، بدعوى أن ذلك سيسهم فى دفع السلام وحماية المصالح المشتركة.
هذا التوجه من جانب واشنطن استند إلى أربع فرضيات مركزية، الأولى تتمثل فى أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية متطابقة، والثانية أن التقييمات الأمنية الإسرائيلية أكثر دقة، والثالثة أن الخلافات ينبغى أن تتم معالجتها فى الغرف المغلقة وليس أمام العلن، أما الفرضية الرابعة فتعتمد على أن إسرائيل ستأخذ فى الاعتبار مخاوف واشنطن، حتى دون ضغط، ولكن بمرور الوقت، أصبح لدى واشنطن يقين بأن كل تلك الفرضيات كانت إما ناقصة أو خاطئة، وبمرور السنوات، تحول هذا النهج إلى منظومة كاملة من «الاستثناءات»، التى لا تُمنح لأى دولة أخرى.
وأوضحت الصحيفة أن عمليات شراء الأسلحة الأمريكية، التى تخضع لضوابط دقيقة وقوانين صارمة، عند التعامل مع أى دولة فى العالم، يتم إعفاء إسرائيل منها عملياً، وكذلك القواعد الأمريكية التى تمنع أى دولة تتلقى مساعدات، من التدخل فى السياسة الداخلية الأمريكية، لا تطبق عليها، وبينما تلجأ واشنطن إلى ممارسة بعض الضغوط لحماية مصالح الدول الأخرى، حين تتوافق تلك المصالح مع رؤيتها، فإنها لطالما دافعت عن سياسات إسرائيل، حتى عندما تتعارض مع توجهاتها المعلنة، أو مع القانون الدولى.
نتيجة هذا «الاستثناء الإسرائيلى» فى السياسة الأمريكية، توسع النشاط الاستيطانى فى الضفة الغربية على نحو غير مسبوق، وتصاعدت اعتداءات المستوطنين، وارتفعت كلفة الصراع فى غزة إلى مستويات إنسانية كارثية، شملت آلاف القتلى والمصابين، ودماراً واسعاً، ومجاعة تتفاقم يوماً بعد يوم، كما وفر الدعم الأمريكى غير المشروط غطاءً لعمليات عسكرية إسرائيلية خارج حدود فلسطين، فى سوريا ولبنان واليمن العراق أحياناً، بل وامتدت إلى قطر، مما أدى إلى توسيع دائرة التوترات فى المنطقة.
ورغم التحذيرات الأمريكية المتكررة من تداعيات تلك السياسات، فإن غياب الأداة الأهم، أى مشروطية الدعم، جعل تل أبيب تمضى فى خياراتها الاستفزازية، لإشعال التوترات بالمنطقة، دون اكتراث فعلى بالتحذيرات الصادرة من واشنطن، أو غيرها من العواصم، بل ومن المنظمات الدولية.
وتابعت «فورين أفيرز» أن هذا الخلل ظهر واضحاً جداً فى حرب غزة (2023 - 2025)، حيث عبرت واشنطن، فى جلسات مغلقة، عن قلق بالغ إزاء ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وتباطؤ دخول المساعدات، واتساع العمليات العسكرية، دون أهداف واضحة، لكن غياب إرادة فرض شروط ملموسة أبقى كل تلك التحفظات فى إطار «النقد الناعم»، وهو نقد لم يترتب عليه تغيير جوهرى فى السلوك الإسرائيلى.
ترافق ذلك مع تدهور غير مسبوق فى صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، فوفقاً لبيانات مراكز قياس الرأى العام الأمريكية، وصلت النظرة السلبية لإسرائيل إلى أعلى مستوياتها بين الجمهوريين والديمقراطيين والمستقلين على حد سواء، وباتت صور الضحايا فى غزة، والمشاهد الواسعة للدمار، ونقاشات العدالة الإنسانية، عاملاً أساسياً يعيد تشكيل المزاج العام الأمريكى، خصوصاً لدى الشباب والناخبين التقدميين.
فى المقابل، ظهر أن إسرائيل تستفيد من هذا الوضع بطريقة تتجاوز الدعم العسكرى والدبلوماسى، فقد سمح لها ذلك بتسييس العلاقة داخل الولايات المتحدة، عبر دعم تيارات أو شخصيات بعينها، وهو ما يتعارض بشكل صارخ مع السلوك الذى يُطلَب من أى دولة تتلقى مساعدات أمريكية، ومع تعمق الاستقطاب الداخلى فى الولايات المتحدة، أصبحت العلاقة مع إسرائيل جزءاً من الخلاف الحزبى، وهو ما يزيد من التعقيد، ويفتح الباب أمام إعادة نظر جذرية فى طبيعة «الاستثناء» الذى تتمتع به.
واعتبرت الصحيفة أن الولايات المتحدة ليست ملزمة بالاستمرار فى نهج الدعم غير المشروط، وأنه لا يوجد ما يمنع من الانتقال إلى علاقة «طبيعية» بالمعنى التقليدى، مثل تلك القائمة مع بقية الحلفاء، وأضافت أن «التطبيع هنا ليس تقليلاً من مكانة إسرائيل، أو تهديداً لها، بل يمثل إطاراً أكثر توازناً وفاعلية، يضمن المصالح المشتركة، ويحمى الحقوق الفلسطينية، ويمنح واشنطن قدرة أكبر على التأثير».
وأوضحت أن النموذج الجديد المقترح للعلاقة بين واشنطن وتل أبيب، يرتكز على أربعة مبادئ رئيسية، تشمل وضع توقعات وحدود واضحة للعلاقة، وربط المساعدات بالالتزام بالقانونين الأمريكى والدولى، وفرض مشروطية على الدعم حين تتعارض السياسات الإسرائيلية مع المصالح الأمريكية، ومنع التدخل الإسرائيلى فى السياسة الداخلية للولايات المتحدة، وأضافت أنه يمكن لهذا النموذج أن يؤدى إلى مكاسب ملموسة، منها منع ضم الضفة الغربية، أو خطوات أحادية تهدد حل الدولتين، وإدارة أكثر فاعلية للملف النووى الإيرانى، وتخفيف التصعيد الإقليمى، وحماية المدنيين الفلسطينيين بشكل أكثر جدية.
واعتبرت الصحيفة أن نهاية «الاستثناء الإسرائيلى» ليست بالضرورة مواجهة أو قطيعة، بل تمثل لحظة إعادة تقييم استراتيجية، باتت ضرورية فى ظل تحولات المشهد الإقليمى، وصعود قوى دولية جديدة، وتراجع النفوذ الأمريكى نسبياً، ومع ازدياد قناعة صانعى القرار فى واشنطن بأن النموذج القائم لم يعد قابلاً للاستمرار، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة صياغة المعادلة التى حكمت العلاقات الثنائية بين واشنطن وتل أبيب طوال العقود الماضية.
واختتمت «فورين أفيرز» تقريرها بالقول إنه بينما تتواصل النقاشات داخل أروقة الإدارة الأمريكية، ومراكز التفكير، وفى قاعات الكونجرس، يبدو واضحاً أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تقف اليوم عند «منعطف تاريخى حاسم»، إما الاستمرار فى «نهج الاستثناء»، بما يحمله من مخاطر وتناقضات، أو الانتقال إلى «علاقة طبيعية» أكثر توازناً وانضباطاً، تضمن أمن إسرائيل، وحقوق الفلسطينيين، ومصالح الولايات المتحدة، وتعيد تشكيل السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط على أسس أكثر واقعية ومسئولية.