ترامب يعلن عن «فرصة أخيرة» لإنهاء «حرب أوكرانيا».. ويتهم قادة أوروبيين بعرقلة السلام
ترامب يعلن عن «فرصة أخيرة» لإنهاء «حرب أوكرانيا».. ويتهم قادة أوروبيين بعرقلة السلام
كتب: دينا أبو زهرة
«بوليتيكو»: «زيلينسكى» يرفض تقديم تنازلات ويتمسك بـ«خط أحمر».. و«واشنطن» تواصل الضغط على «كييف» لقبول «الأمر الواقع»
فى لحظة توصف داخل الدوائر السياسية الغربية بأنها «اختبار الإرادات الأخير»، أعلن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، ما سماه «فرصة أخيرة» لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، موجهاً اتهامات مباشرة إلى قادة أوروبيين بعرقلة مسار السلام، كما أعرب عن نفاد صبره من الرئيس الأوكرانى، فولوديمير زيلينسكى، الذى يرى أنه يرفض تقديم تنازلات «واقعية»، ويتمسك بشروط أمنية تحول دون أى تسوية سياسية للأزمة، وبينما تواصل «واشنطن» الضغط على «كييف» بدعوى التعاون، تكشف مواقف «ترامب» عن تحول لافت فى موقف الولايات المتحدة من الصراع، يقوم على منطق الصفقات والمصالح الاقتصادية، أكثر مما يستند إلى اعتبارات التحالفات التقليدية، أو «الخطاب القيمى»، الذى طبع الموقف الغربى منذ اندلاع الحرب فى فبراير 2022.
رئيس الولايات المتحدة أكثر تصميماً على دفع ملف الحرب الأوكرانية
ترى صحيفة «بوليتيكو»، فى تقرير لها، أن رئيس الولايات المتحدة أصبح أكثر تصميماً على دفع ملف الحرب الأوكرانية نحو نهاية سريعة، مدفوعاً بحالة متزايدة من الضيق تجاه «زيلينسكى»، وعدد من القادة الأوروبيين، الذين يراهم «عقبة» أمام تحقيق السلام، وفتح صفحة جديدة من التعاون الاقتصادي بين واشنطن وموسكو، وخلال مقابلة مع الإعلامية داشا بيرنز، ضمن برنامج «ذا كونفرزيشن»، جرت داخل البيت الأبيض، هذا الأسبوع، لم يُخفِ الرئيس الأمريكي قناعته بأن ميزان القوة يميل لمصلحة روسيا، داعياً الرئيس الأوكرانى إلى «التعاون»، وقبول «الأمر الواقع».
وفى نبرة لم تخلُ من السخرية، انتقد «ترامب» القادة الأوروبيين، واصفاً إياهم بأنهم «يتحدثون كثيراً ولا ينجزون شيئاً»، فى إشارة إلى ما يعتبره عجزاً أوروبياً عن بلورة حل عملي للصراع، أو تحمل أعبائه العسكرية والاقتصادية، وترى الصحيفة أن تصريحات الرئيس الأمريكى جاءت متزامنة مع حديثه عن رغبته فى إعادة دمج روسيا اقتصادياً فى النظام الدولى، بل والدعوة الصريحة إلى عودتها لـ«مجموعة السبع»، فى خطوة تعكس استعداداً أمريكياً لإعادة النظر فى «سياسة العزل»، التى فُرضت على موسكو خلال السنوات الماضية.
رفض تقديم تنازلات إقليمية أو سياسية، تمس جوهر السيادة الأوكرانية
فى المقابل، يتمسك الرئيس الأوكرانى بـ«خط أحمر» واضح، يتمثل فى رفض تقديم تنازلات إقليمية أو سياسية، تمس جوهر السيادة الأوكرانية، ما لم تقترن بضمانات أمنية صلبة، وقال «زيلينسكى»، فى تصريحات أدلى بها لمجموعة من المراسلين فى «كييف»، إنه أجرى مشاورات مكثفة مع قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا، عملوا خلالها على تنقيح المقترح الأمريكى، الذى كان يتألف من 28 نقطة، قبل تقليصه إلى 20 نقطة فقط، وأوضح أن النقاط التى اعتُبرت «مناهضة لأوكرانيا» جرى حذفها بشكل علنى، مؤكداً أن بلاده لا تزال بحاجة إلى ضمانات أمنية أقوى، وأنه غير مستعد لمنح روسيا مساحة إضافية من الأراضى الأوكرانية، لاسيما فى إقليم «دونباس»، الذى يقع أكثر من نصف مساحته حالياً تحت السيطرة الروسية، ويعكس هذا الموقف إصرار «كييف» على عدم تحويل أى تسوية سياسية إلى اعتراف بالأمر الواقع، الذى فرضته الحرب.
كما نقلت «بوليتيكو» عن مسئول أوروبي، طلب عدم الكشف عن هويته، إقراره بوجود تقصير أوروبى واضح فى مجال الإنتاج العسكرى، وفى طرح حلول فعالة للأزمة الأوكرانية، لكنه شدد فى الوقت نفسه على أن أوروبا بدأت بالفعل اتخاذ خطوات تصحيحية، وأشار إلى التزام عدد من أعضاء حلف شمال الأطلسى «الناتو» بزيادة ميزانياتهم الدفاعية، فضلاً عن مبادرة تسليح أوكرانيا (PURL)، التى تقوم بموجبها دول أوروبية بشراء أسلحة أمريكية لإرسالها إلى أوكرانيا، إلى جانب جهود داخل الاتحاد الأوروبى لإقناع بلجيكا بدعم قرض ضخم إلى كييف يقترب من 200 مليار دولار، غير أن مسئولاً أوروبياً ثانياً أقر بأن محاولات القادة الأوروبيين لـ«تليين» موقف «ترامب»، عبر الدبلوماسية الهادئة والمجاملات السياسية، لم تُثمر عن نتائج ملموسة، مؤكداً أنهم غير قادرين على مواجهته بشكل مباشر، نظراً لاعتماد أوروبا، بشكل كبير، على الولايات المتحدة، فى المجالين الأمنى والعسكري.
لا تستطيع العواصم الأوروبية الوقوف فى وجه الرئيس الأمريكي
وتفسر «ليانا فيكس»، الخبيرة فى العلاقات الخارجية، هذا التردد الأوروبى بأنه «إدراك واقعى لحدود القوة»، حيث لا تستطيع العواصم الأوروبية الوقوف فى وجه الرئيس الأمريكى، أو إملاء أسلوب مختلف للتعامل مع موسكو، فى ظل ما وصفته بـ«التبعية الوجودية» المستمرة بين أوروبا والولايات المتحدة، ومع ذلك، رفض عدد من المسئولين الأوروبيين تقييمات «ترامب» بأن الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، يمتلك «اليد العليا» فى ساحة المعركة، معتبرين أن التقدم البطىء للقوات الروسية فى «دونباس»، لا يرقى إلى مستوى «نصر استراتيجى»، كما أبدوا صدمتهم مما وصفوه بـ«دبلوماسية أمريكية منحازة لصالح موسكو».
من جانبها، ترى «فيونا هيل»، خبيرة الشئون الروسية وعضو مجلس الأمن القومى سابقاً، أن المحادثات الجارية بين «معسكر ترامب» وروسيا، تتسم بطابع تجارى أكثر من كونه دبلوماسياً، لافتة إلى أن أبرز الشخصيات المشاركة فى هذا المسار تمتلك خلفيات استثمارية واضحة، فمن الجانب الأمريكي، ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، ومن الجانب الروسي رئيس صندوق الاستثمار السيادى، كيريل دميترييف، وتعتقد «هيل» أن الرئيس «بوتين» يدرك جيداً هذه الذهنية، ويستغلها عبر تقديم الصراع بوصفه صفقة محتملة.
واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول إن «ترامب» يرى أن «عناد أوروبا»، ورفض أوكرانيا تقديم تنازلات، هما العائقان الأساسيان أمام السلام، بينما يعتقد دبلوماسيون أن السبب الحقيقى لتعثر جهوده، يعود إلى تردده فى ممارسة ضغط حقيقى على موسكو، فبينما فرض عقوبات جديدة على النفط الروسى الشهر الماضي، سرعان ما سحب بعضها، فى خطوة اعتُبرت إشارة متناقضة، أضعفت فرص الوصول إلى تسوية حقيقية، وجعلت «الفرصة الأخيرة» التى يتحدث عنها محل شك واسع داخل العواصم الغربية.