أضواء تحرق صاحبها (1)

«كلنا تدرجنا فى الكتابة، إلا توفيق الحكيم فقد ولد مكتملاً»، هكذا يقول نجيب محفوظ عن تجربته، التى قامت على التطور فى الكتابة على مهل، إذ بدأ كاتب مقالات فى الفلسفة، ثم انتقل إلى القصة، فكانت أولياتها عنده أشبه بمقالات سردية، أو سرد يجمع بين فن وتحليل وتقرير، حتى اهتدى إلى خيط الفن، فتلقفه، وراح يراكم فى دأب النمل، حريصاً على التجويد والتجديد حتى بلغ الذروة.

أما «الحكيم» فقد جاءت مسرحيته الأولى المنشورة «أهل الكهف» باذخة من الناحية الفنية، وكذلك روايته الأولى «عودة الروح»، لكنه ظل عند هذا المستوى الفنى، يهبط عنه قليلاً، حسب رؤية طه حسين لمسرحيته الثانية «شهر زاد»، ثم يرتقى إلى المستوى السابق ثانياً فى مسرحيات لاحقة، راحت تتجدد موضوعاتها، مع ثبات مستواها الفنى.

بعيداً عن هذا التصور، الذى اعتمد على مواصلة الكتابة ومراكمتها، وُلد تصور آخر يرى أعمالاً ما إن تظهر فى سوق النشر والقراءة، حتى تلفت الانتباه بشدة، جاذبة إليها وصاحبها أضواء مبهرة، تكون كثيفة جداً، فترتكز فى بؤرة على طريقة العدسات اللامة، ثم تصير شهاباً حارقاً، يأتى على المؤلف، فينال منه، حتى يتحول إلى رماد، تذروه ريح الحياة الهوجاء.

لا أريد فى هذا المقام الإشارة إلى كُتَّاب بأعينهم، أو أعمال أدبية معينة، فالأمثلة على هذا كثيرة يعرفها أهل الأدب فى بلادنا وغيرها، لكن الأهم هنا هى العبرة أو الخلاصة، التى يتم تحصيلها من هكذا حالات، تقول إن الهامش قد يزحف سريعاً على أشخاص وجدوا فى دائرة ضوء مبهر، حين نظر نقاد وقراء إلى عملهم الأول على أنه فارق مختلف، يشى بموهبة لاذعة، ويؤشر لاتجاه جديد فى الكتابة، ويعول كثيرون على صاحبه بأنه سيواصل طريقه مرتقياً نحو مكانة رفيعة فى دنيا الكتابة، لكنه لا يلبث أن يخيب كل هذه الظنون الحسنة، حين تعجزه أشياء أو عوامل من عند ذات الكاتب، أو بفعل ما يحاط به من ظروف قاسية، فتقعده عن حاله الأولى، ليدخل هو وعمله إلى تاريخ الكتابة، قد يتذكره البعض فيستعيدونه، لكن هذه الاستعادة، ومهما بلغت درجة إخلاصها، لا تعيد الضوء المبهر الذى مرق وانطفأ.

لا أقصد هنا بالطبع أولئك الذين اكتفوا بإنتاج عمل واحد لافت وكبير، ثم توقفوا عن الكتابة، ليس عن عجز، إنما لأنهم شعروا بأنهم قد قالوا كل ما يريدون، عن اقتناع أو توهم، مثلما فعل محمد خليل قاسم فى «الشمندورة» أو صبحى وحيدة فى كتابه «فى أصول المسألة المصرية»، إنما أقصد مَن حاولوا بعد إنتاج عمل أطلق حولهم ضوءاً مبهراً، مواصلة السير على درب الكتابة، لكن شيئاً كريهاً أثقل خطاهم، حتى وقفوا فى أماكنهم ثم قعدوا، راضين أو ساخطين.

ربما تتعدد الأسباب التى تجعل هذين الصنفين من الكُتَّاب يبددون الضوء الذى صنع هالة قوية حولهم ثم انطفأ، ومنها غرور تملك من نفس أحدهم، كان واعياً به أو غير واع، فجعله يتوهم بأنه قد أتى بما لم يأت به الأوائل، أو عجزه عن معاودة الكتابة بالقوة والبراعة نفسها، أو عدم قدرته على تحقيق رغبته فى إنجاز ما هو أفضل، وربما أثار هذا الضوء غيرة بعض أهل الكتابة المتنفذين، وبدلاً من أن يمدوا إليه أيديهم تشجيعاً على الاستمرار، أفاضوا حوله من الحنق ما قصد التعمية عليه، وإلقاءه فى الهامش البارد، واستسلم هو لنتائج هذه التدابير السيئة، وانتهى الأمر.