الأحمد ونتنياهو وفتنة «حانوكا»

فارقٌ شاسع بين أن تشعل فتنةً تحصد الأرواح، وبين أن تُضحّى بروحك لإنقاذ البشر وتمنع فتنة. هذا هو الفارق بين أحمد الأحمد، الشاب العربي المسلم، وبنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي. التقى الاثنان عند نقطة رمزية واحدة: أضواء عيد «الحانوكا» أو «عيد الأنوار»، المرتبط في الوعي الديني اليهودي بعقيدة الهيكل وسرديات استعادته.

فى سيدنى، كاد أحمد الأحمد أن يفقد حياته وهو يحاول إنقاذ آخرين كانوا يحتفلون بالعيد. لم يسأل عن دينهم أو هويتهم، ولم يستحضر صراعات التاريخ ولا جغرافيا السياسة. فعل ما فعله بدافع إنسانى خالص، فصار شهادة حيّة على أن الإنسانية بخير.

أما فى القدس الشريف، وعلى النقيض، زار بنيامين نتنياهو ساحة حائط البراق فى توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى. ليحول المناسبة الدينية إلى أداة صراع، مباركاً زيارته بدموع ودماء أرواح المساكين من شعب فلسطين.

يجيد نتنياهو اختيار التوقيت، وتوظيف التناقضات لخدمة أهدافه السياسية. وزيارته لحائط المبكى تنسجم تماماً مع أسلوبه التصعيدى المراوغ، الذى يلجأ إليه، هرباً من تزاحم الضغوط حوله، داخلياً وخارجياً، فيقفز بعيداً، حتى لا يُجبر على قرارات مصيرية تخالف عقيدته وأيديولوجيته اليمينية المتطرّفة.

وللأسف، كثيراً ما يكسب نتنياهو رهانه على هذه الخطوات الاستفزازية، فهى تُمثل تصعيداً ممنهجاً ضد الشعب الفلسطينى، وفى الوقت ذاته تُشحن (بطاريات) العصبية الدينية فى المجتمع الإسرائيلى. فزيارة البراق تُمثل بعداً رمزياً ودينياً قادراً على تحريك الوجدان الجمعى، بينما تؤدى فى المقابل إلى تأجيج الغضب الفلسطينى، ودفع المشهد نحو ردود فعل قد تُوظَّف إسرائيلياً فى حملات دعائية معاكسة، من هنا، لا يمكن اعتبار الخطوة اندفاعاً عشوائياً، بل تصعيداً سياسياً محسوباً بدقة، يدرك نتنياهو فيه تماماً حساسية القدس بوصفها ساحة اشتعال فورى.

وداخلياً، يستخدم نتنياهو هذه الزيارة أداة للتعبئة العاطفية، موجّهاً رسائله إلى قاعدته اليمينية الدينية التى تُشكل العمود الفقرى للائتلاف الحاكم. فهو يذكّر بسيطرة اليهود اليوم على الحائط، وبقدرتهم على زيارته بحرية، بعد عقود من المنع والإذلال كما تروّج السردية الصهيونية. كما تُمثل الزيارة فى هذا التوقيت تحدياً سياسياً صريحاً لأى مسار تسوية، ورسالة واضحة مفادها فرض الأمر الواقع، عبر الإمعان فى تكريس يهودية القدس.

أما اقتحامات المستوطنين المستمرة للمسجد الأقصى، فهى فى مجموعها لم تعد سلوكاً هامشياً لجماعات متطرّفة، بل تعكس توجّهاً رسمياً لفرض واقع جديد فى القدس، يتمثّل فى: حماية أمنية مشدّدة للمستوطنين خلال الاقتحام، ومشاركة بعض الوزراء وأعضاء من الكنيست، وتراجع شبه كامل عن القيود التى كانت، نظرياً، تحكم الطقوس الدينية اليهودية داخل محيط الأقصى.

وتاريخياً، يجيد نتنياهو تسييس المناسبات الدينية، ويمثل «الحانوكا» فرصة مثالية لذلك. فالدين هنا لا يُستدعى بوصفه قيمة روحية، بل يُستخدم كرافعة سياسية فى لحظة ارتباك داخلى حاد. والتصعيد حول الحائط يعيد إنتاج سردية «الحق التاريخى»، ويخدم ربط بقاء الحكومة ببقاء ما يُسمى «الهوية اليهودية للدولة». وأى اعتراض فلسطينى على هذه السياسات يُعاد تعريفه فوراً بوصفه صراعاً دينياً، لا فعلاً سياسياً أو مقاومة مشروعة ضد محتل، حيث نجحت هذه الحكومة اليمينية المتطرفة فى ترسيخ شيطنة المقاومة وإلصاق تهمة الإرهاب بها.

وحائط البراق (المبكى) جزء من المسجد الأقصى، وملكيته باعتراف أممى تعود إلى المسلمين، ويوضح الدكتور عادل حسن غنيم أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس فى كتابه «حائط المبكى أم حائط البراق»، أن الحائط «لم تكن له أهمية دينية فى اليهودية قبل نحو أربعة قرون، حيث كان اليهود يصلون عند الحائط الشرقى للمسجد الأقصى قبل أن يتحولوا عنه». ويضيف مؤكداً أن «إبراهيم باشا ابن محمد على سمح لليهود بالاقتراب من الحائط الغربى من المسجد الأقصى والبكاء عنده مقابل 300 جنيه إنجليزى كانوا يسدّدونها سنوياً لوكيل وقف أبومدين».

لا يمكن النظر إلى ما يجرى فى القدس خلال الأيام القليلة الماضية بوصفه حدثاً عابراً أو توتراً دينياً مؤقتاً. نحن أمام حلقة جديدة فى مشروع سياسى (أيديولوجى) ممتد، يستخدم فيه نتنياهو القدس أداة نجاة سياسية، ولو كان الثمن تحويل المدينة إلى ساحة صراع مفتوح على الهوية والسيادة.

وهنا تبرز المقارنة، وتبدو أكثر حدّة ووضوحاً: بين أحمد الأحمد، الذى ضحّى بنفسه لينقذ الإنسان أيّاً كان، وبين نتنياهو، الذى لا يتردّد فى التضحية بالإنسان، وبالمقدّس أيضاً، من أجل إنقاذ سلطته. بين فعل إنسانى عابر للهويات، وسلطة تُشعل الفتن تحت أضواء «الحانوكا»، لتقف القدس شاهدة على سؤال لا مهرب منه: أيهما سيبقى فى الذاكرة، التضحية من أجل الحياة، أم المقامرة بالحياة من أجل البقاء فى الحكم؟