حسم القتال في أوكرانيا.. بالحرب أم بالدبلوماسية؟
كشفت الحرب بين روسيا وأوكرانيا التي استمرت ما يقرب من أربع سنوات عن اهتراء النظام العالمي وعدم وجود قبضة أو قبضات تمسك بهذا النظام وتوجهه. كشفت عن ضعف أوروبا أمام آلة الحرب الروسية، رغم استنزاف روسيا وإرهاقها. كانت أمريكا وراء تلك الحرب المدمرة لأوروبا مستهدفة ضعف الطرفين، أوروبا وروسيا. بينت الحرب أن روسيا تسعى لاستعادة مكانتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فبعد الانهيار مباشرة انسلت غالبية دول العملاق الأحمر وانضمت للاتحاد الأوروبي أو لحلف الناتو مشكلين سياجًا حول روسيا عكس الستار الحديدي الذي كان فرضه الاتحاد السوفييتي من قبل. جاءت حرب أوكرانيا كخطوة تؤكد روسيا من خلالها انتهاء زمن التراجع أمام الغرب، صائحًا: إلا أوكرانيا. روسيا تعتبر أوكرانيا جزءًا منها وتتمسك بها.
لم تعد هذه الحرب مجرد صراع حدودي بين دولتين متجاورتين، بل تحولت مع مرور الأعوام إلى مرآة كاشفة لطبيعة النظام الدولي، وحدود القوة، وأوهام الردع، وتناقضات السياسة حين ترتدي ثوب الأخلاق. أربعة أعوام تقريبًا من القتال المتواصل جعلت أوروبا ساحة نار مفتوحة، وسالت خلالها دماء الآلاف، وتحولت مدن كاملة إلى أطلال، بينما بقي السؤال الجوهري معلقًا: هل تحسم الحروب في ساحات القتال أم على موائد التفاوض؟
بدا منذ اللحظة الأولى للحرب أن الرهان العسكري سيد المشهد. روسيا راهنت على الحسم السريع بالقوة، وأوكرانيا راهنت على الصمود واستنزاف الخصم بدعم غربي واسع. ومع امتداد الزمن، تحول القتال من محاولة حسم إلى حرب إنهاك، حيث لا يحقق أي طرف نصرًا كاسحًا، ولا يستطيع في الوقت نفسه التراجع دون كلفة سياسية وأمنية باهظة. هنا تعود مقولة كلاوزفيتز لتفرض نفسها بقوة: الحرب ليست إلا استمرارًا للسياسة بوسائل أخرى، لكن ما يغفله كثيرون أن السياسة بدورها تعود في النهاية لتضع حدًا للحرب عندما تستنفد وسائل القتال غاياتها.
الدبلوماسية، في هذا السياق، لا تبدو نقيضًا للحرب، بل نتيجتها المنطقية المتأخرة. غير أن المشكلة لا تكمن في غياب المبادرات السياسية، بل في غياب الإرادة المتزامنة لدى الأطراف كافة لتقديم تنازلات مؤلمة. روسيا ترى أن ما خسرته إن تراجعت يفوق ما قد تخسره باستمرار القتال، وأوكرانيا تعتبر أي تنازل عن الأرض اعترافًا بالهزيمة وتهديدًا لوجودها كدولة ذات سيادة. أما أوروبا، فوجدت نفسها عالقة بين دعم حليف يتعرض للغزو، وبين كلفة اقتصادية وأمنية واجتماعية تتزايد مع كل شتاء ومع كل تصعيد.
السؤال حول ما إذا كانت أوروبا ستقاتل حتى النهاية إلى جانب أوكرانيا، ليس سؤالًا عسكريًا بقدر ما هو سياسي داخلي. فمع تغير الحكومات، وتصاعد التيارات الشعبوية، وتعب المجتمعات من الحرب الطويلة، يصبح الالتزام المطلق أقل صلابة مما كان عليه في السنوات الأولى. الدعم مستمر، لكنه لم يعد اندفاعيًا، بل محسوبًا، تحكمه حسابات الاقتصاد والطاقة والرأي العام، لا فقط المبادئ والشعارات.
أما المبادرة الأمريكية، أو أي تسوية تقودها القوى الكبرى، فهي تعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الحرب بلا أفق واضح يهدد بتوسيع الصراع بدل إنهائه. ومع ذلك، فإن قبول تسوية تمنح روسيا مكاسب إقليمية وسكانية وثروات، يطرح معضلة أخلاقية وسياسية خطيرة: هل يصبح تغيير الحدود بالقوة سابقة مقبولة؟ أم يعاد تعريف النصر والهزيمة بلغة المصالح لا القيم؟
التحليل السياسي والعسكري الراهن يشير إلى طريق مسدود نسبيًا. لا روسيا قادرة على تحقيق نصر شامل يفرض شروطه بالكامل، ولا أوكرانيا قادرة على استعادة كل ما فقدته دون دعم مفتوح غير محدود من الغرب، وهو دعم لا يبدو واقعيًا إلى ما لا نهاية. هذا التوازن السلبي يدفع تدريجيًا نحو تسوية ما، لا تكون عادلة تمامًا، ولا مرضية بالكامل، لكنها تقدم بوصفها أقل الشرور الممكنة.
أما نهاية هذه الحرب، فإنها ستترك وراءها شرق أوروبا أكثر عسكرة، وروسيا أكثر توجسًا، وأوكرانيا مثقلة بجراح ديموجرافية واقتصادية عميقة، ونظامًا دوليًا أقل ثقة بالقانون وأكثر ميلًا لمنطق القوة. قد يتوقف القتال، لكن الصراع سيبقى كامنًا، ينتظر ظرفًا جديدًا أو ميزان قوة مختلفًا ليعود بأشكال أخرى.
في المحصلة، لا تحسم هذه الحرب بالقتال وحده ولا بالدبلوماسية وحدها، بل بإرهاق الاثنين معًا. وعندما تصل السياسة إلى قناعة بأن الحرب لم تعد وسيلة فعالة، تبدأ المفاوضات لا بوصفها خيارًا أخلاقيًا، بل كضرورة واقعية. تلك هي المفارقة القاسية التي تعيد الحروب الكبرى دائمًا إنتاجها، مهما تغيّرت الأزمنة وتبدلت الشعارات.