غزة والإعلام والجن
خفت الاهتمام الشعبى العالمى بغزة، ولم يخفت الاهتمام الإنسانى بالقطاع وأهله. إنها سمة الأخبار الساخنة الحامية العاجلة. يغرق المتلقى فى موجاتها العاتية، ثم تأتى أخبار جديدة، ولو بعد عام أو عامين، لتحول دفة الاهتمام، أو يقع حدث جلل آخر، ليسحب بساط المشاهدة والمتابعة من تحت أقدام الحدث الأول، حتى لو كان مستمراً بالضراوة والشراسة نفسهما.
العناوين الرئيسية فى المواقع والقنوات وشرائط الأخبار لم تعد غزة ومأساتها. ورغم ذلك، فإن مصر من ألفها إلى يائها فى غزة. بالإضافة إلى شاحنات المساعدات، والتعامل العاقل القوى الحكيم مع مشاحنات التعنت والاستفزاز من الجانب الإسرائيلى، فإن لجنة مصرية تعمل فى داخل غزة بهدوء ودون طنطنة. الأدهى من ذلك أن كثيرين بيننا لا يعلمون شيئاً عنها، أو عن عملها. ورغم أن بينهم من يحمل شعار المقاطعة، ويضع ملصق علم فلسطين على زجاج السيارة، وربما يسلم أذنه لطنطنة «افتحوا المعبر باش نحرر القدس»، أو تخلى عن قدرته على المتابعة وربط مجريات المنطقة وما يجرى فى دولها و«جماعاتها» وما زال متوقفاً عند «على القدس رايحين شهداء بالملايين»، إلا أن المشهد الراهن يحتاج إلى ربط الأحداث ببعضها، وملء الفجوات المعرفية والمنطقية.
المسألة ليست لجنة موجودة على الأرض، أو شاحنات مساعدات، أو دعماً سياسياً ودبلوماسياً ونفسياً، أو دوراً محورياً، أو بالأحرى «الدور المحورى»، فقط. المسألة تاريخ وجغرافيا وإنسانية.
مصر هى مصر، وستظل كذلك.
وهنا، لا يسعنى سوى التأمل فى المشهد الإعلامى الغربى، وتغطياته لمنطقة الشرق الأوسط هذه الآونة. الإعلام الحر، المستقل، غير المنحاز، الباحث عن الخبر المؤكد والمعلومة الموثقة والتحليل الذى لا يغفل وجهات النظر المختلفة إلخ، هل ما زال يحتفظ بهذه المكانة؟
لو قدر لأحدهم أن ينجز دراسة أو أطروحة دكتوراه تعتمد على المقارنة بين تغطيات ما يسمى بـ«الربيع العربى» قبل 15 عاماً، وتوجهات الأخبار (يفترض أن الأخبار بلا توجهات) والتحليلات والحوارات واللقاءات وقتها، وبين التغطيات الحالية للمنطقة ذاتها والدول نفسها، سيصاب بالدوار. لا يمكن أن تكون نفس المواقع والمؤسسات الإعلامية التى تعاملت مع أحداث المنطقة العربية فى 2011، واعتبار ما يجرى، وتمكن الإسلاميين من مفاصل عدد من الدول، أفضل تعبير عن الديمقراطية وتمكين الشعوب وتحرير العقول إلخ، هى نفسها التى تعتبر الإسلاميين المقيمين لديها اليوم المصدر الرئيسى للإرهاب، والعامل المهدد لأمنها واستقرارها واقتصادها.
على أية حال، مشكلتنا الرئيسية تكمن فى الوعى، لا بما تفعله جماعات «الدين السياسى» بالمجتمعات من فتنة واستقطاب وتفتيت وتجارة حرفية بالدين، ولكن فى الوعى بشكل عام.
لدينا مشكلة كبرى فى درجة الوعى المتعلق بمحتوى السوشيال ميديا. أفاجأ بأصدقاء يشاركون أخباراً وفيديوهات وهمية أو قديمة أو مصنوعة بالذكاء الاصطناعى أو يقف وراءها أشخاص معروفون بانتماءات وأيديولوجيات مسمومة، ويتعاملون معها باعتبارها حقائق وأخباراً.
لدينا مشكلة وعى فيما يختص بأبعاد الهجرة غير الشرعية. أعرف أشخاصاً يعيشون حياتهم على أمل تمكين الابن من الإبحار على مركب متجهة صوب شمال المتوسط. الصدمة الأكبر تكمن فى ترجيح أغلبهم كفة نجاح الوصول، ومن ثم أبواب الثراء التى ستفتح على مصاريعها ليتمكن الابن المهاجر غير الشرعى من جمع المال اللازم لسداد دين كلفة السفر للسمسار، ثم الإغداق على الأهل بالأموال لإخراجهم من دائرة الفقر. ويتم الزج بالنصيب والقضاء والقدر فى الإجابة عن السؤال: وماذا لو غرق الابن فى الطريق؟ نصيبه كده، أو إرادة ربنا ولا يمكن منعها أو التدخل فيها.
قبل أيام قليلة، غرقت مركب هجرة غير شرعية جنوب جزيرة كريت. فقدت 27 أسرة مصرية أبناءها فى هذا الحادث، بينهم شباب و«صغار السن» أى أطفال. وفى يوليو الماضى، فقدت 13 أسرة مصرية أبناءها أيضاً فى غرق مركب هجرة غير شرعية قبالة سواحل ليبيا كانوا فى طريقهم إلى سواحل اليونان.
أقدر وأتفهم تماماً ضغوط الحياة، ومصاعب الاقتصاد الطاحنة. ولكن ما لا أفهمه هو كيف يعتبر الأهل الأبناء لعبة «روليت» يقامرون بها، فإن أصابت، ووصل الصغير إلى الشاطئ على الجانب الآخر، نجوا جميعاً، وإن خابت، فهذا عمره وهذا نصيبهم.
وبينما أقرأ أخبار المراكب الغارقة والأرواح المهدرة، وجدت على الصفحة نفسها خبراً عنوانه «وصفة الشيخ فلان لمواجهة مشاكل الحياة والقضاء على الخوف والهم والغم». تصورت أن الوصفة ستحتوى، بالإضافة إلى الدعاء والرضا، مطالبة بالعمل والسعى والضمير، إلخ، لكن فوجئت أن الوصفة من ألفها إلى يائها قائمة على الدعاء فقط لا غير.
فى الصفحة التالية، قرأت موضوعاً طويلاً عريضاً فى باب الفتاوى عن الجن الذى يسرق الطعام، وأنه فى حال تم ترك الطعام مكشوفاً ثم اكتشف أهل البيت نقصانه، فهذا قد يعود إلى أن الجن سرقه، مع نصيحة لترك القليل من اللحم على العظم قبل إلقائه فى القمامة ليأكل منها الجن.
بناء الوعى عملية ديناميكية مستمرة تحتاج إرادة واستمرارية وتعاون الجميع لنجاحها، على أن يقودها أشخاص أسوياء يتصفون بالعلم والتنوير والعقل والحكمة، وإلا فالعواقب وخيمة.