علاء عابد يكتب: أم كلثوم التي نعرفها
قال الرئيس شارل ديجول، مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة، عن أم كلثوم: «لقد لمست أحاسيس قلبى وقلوب الفرنسيين جميعاً»، لم يكن «ديجول» يتحدث عن إعجاب فنى عابر، بل عن قدرة فريدة على اختراق الوجدان الإنسانى وصناعة حضور حضارى عابر للجغرافيا، وهو المعنى الذى التقطه الفنان الراحل عبدالحليم حافظ حين وصف صوتها، ووصفها بأنها «معجزة لن تتكرر، ولن يستطيع أحد ملء الفراغ الذى تركته».
أم كلثوم (1898 - 1975) ليست مجرد صوت خرج من حنجرة استثنائية، بل هى ركن أصيل من وجدان مصر، وعمود رئيسى من أعمدة «القوة الناعمة»، والتى داوت باللحن وما يقرب من 320 أغنية، ما عجزت عنه الخطب والسياسة، وصُنفت أغنيتها «الأطلال» ضمن أفضل مائة أغنية أُنتجت فى القرن العشرين، لذلك حين تُستهدف فإن الاستهداف لا يطال «أيقونة» رحلت، بل يطاول فكرة وهوية وذاكرة لن تموت أبداً، وهو ما يؤكده المؤلف الموسيقى الإنجليزى دينيس غراى: «إن صوت أم كلثوم فيه عمق حضارة الشرق، وهو تلخيص لتاريخ الحضارة الموسيقية الرفيعة التى انطلقت عن طريق فنانى وعلماء العرب إلى أوروبا»، من هنا لم تكن أم كلثوم أيقونة فنية فحسب، بل تحولت الأغنية على يديها لتكون رسالة حضارية، ويكون صوتها جسراً ثقافياً، مصيره الخلود.
إن محاولات تشويه صورة أم كلثوم، عبر إلصاق صفات أو مواقف مُلتبسة أو تقديمها فى قوالب درامية مُفتعلة، لم تكن يوماً قادرة على اختراق «الضمير الثقافى» للمصريين، الذى يعرف الحقيقة أكثر من أى كاتب وأى مؤلف، لأنه تشكّل مع الزمن وتربّى على «الوعى الثقافى».
وما جرى -مهما حسنت النيات- يدخل فى سياق أوسع وأخطر، وهو استهداف الرموز التى شكّلت لعقود طويلة صورة مصر فى وجدان العرب والعالم من «الفن الأصيل»، وهو ما ذهب إليه الأديب الكبير عباس محمود العقاد حينما أكد أن أم كلثوم «أثبتت أن الغناء هو فن عقول وقلوب، وليس فن حناجر وأفواه فحسب».
أم كلثوم التى نعرفها ليست شخصية قابلة لإعادة التشكيل وفق مزاج درامى أو رؤية تجارية، إنما هى التى كانت صوت مصر فى الليالى الثقيلة، ورفيقة الجنود على الجبهة، وحاضرة فى البيوت من الإسكندرية إلى أسوان، وهى التى غنّت فارتقى الناس، لا التى غُنّى عنها فاهتزّت صورتها.
وإلى جوار أم كلثوم، يقف عبدالحليم حافظ، ومحمد عبدالوهاب، وبليغ حمدى، وفاتن حمامة، وعمر الشريف، ويوسف وهبى، ونجيب الريحانى، وإسماعيل ياسين، وعادل إمام، وعمر خيرت، ويقف معهم عظماء الأدب نجيب محفوظ، وعباس العقاد، وطه حسين، وإحسان عبدالقدوس، وفاروق شوشة، وصلاح أبوسيف، ويوسف شاهين، ويقف الشيخ الشعراوى والبابا شنودة، رمزا الضمير الدينى والوطنى، كما يقف الزعماء عبدالناصر والسادات، باعتبارهما جزءاً من تاريخ لا يُختزل ولا يُشوه، ويقف أحمد زويل، ومحمد صلاح، ومحمود الخطيب، وحسن شحاتة، بوصفهم امتداداً معاصراً لفكرة التفوق المصرى حين يُمنح الفرصة.
وحتى نكون واضحين جداً فإن هؤلاء ليسوا أصناماً، ولا فوق النقد، لكنهم أكبر من المعالجة السطحية، وأعمق من أن يُقدّموا كـ«حكايات مثيرة» أو «نماذج قابلة للتجريح»، فإن العبث بصورتهم لا يُنتج قراءة نقدية، بل يُنتج محاولة فاشلة لإعادة تعريف ما لا يحتاج تعريفاً، ولذلك فإن المحاولة الفاشلة لتشويه صورة «أم كلثوم» لم تُقنع أحداً، لأن الشعب المصرى صاحب «ذاكرة ثقافية» ويعرف جيداً من هى «كوكب الشرق»، التى لم يجُد الزمان بغيرها وعاش معها لحظات الفرح والانكسار، ولم يرَ فيها يوماً ما يُراد إلصاقه بها اليوم.
ورغم الجهد المبذول من المخرج مروان حامد، ومحاولات الأداء المحترم والمتماسك للفنانة منى زكى، فإن العمل -فى محصلته النهائية- يبقى سقطة كبيرة فى مسيرتهما الفنية، لن تُمحى بسهولة لأنها اقتربت من منطقة لا تعرف الرحمة، وهى منطقة «حب المصريين» التى لا تحكمها «المعايير الفنية» وحدها، بل تحكمها العاطفة والذاكرة والانتماء.
أم كلثوم يا سادة، لا تحتاج إلى من يدافع عنها، لأن صوتها ما زال أعلى من أى تشويه، وتاريخها أصدق من أى معالجة درامية، ومكانتها أرسخ من أى محاولة عبث، والدرس الأهم هنا هو أن «القوة الناعمة» ليست «مادة خام» لإعادة الصياغة، بل مسئولية وطنية وقومية، ومن يقترب منها بلا وعى سيدفع الثمن.. ليس بقرار، ولكن بحكم شعب يمتلك «ذاكرة ثقافية» لا تُنسى.