محمود مرزوق يكتب: مائتان وخمسون طناً من التاريخ
محمود مرزوق يكتب: مائتان وخمسون طناً من التاريخ
حين وصل عالم المصريات الفرنسى، جان فرانسوا شامبليون، إلى الأقصر فى صيف عام 1828، لم يكن فى حسبانه أن حلمه بامتلاك باريس لمسلة مصرية قديمة، أسوة بروما، سيتحقق سريعاً. فأمام واجهة المعبد وقف منبهراً بمسلتين شامختين يناهز عمر الواحدة منهما ثلاثة آلاف عام، أى من عهد رمسيس الثانى، وكلتاهما من الجرانيت الوردى. فسارع بمراسلة القنصل الفرنسى ميمو، الذى نقل الطلب إلى محمد على باشا، فجاءت الموافقة سريعاً، لكنها لم تكن كرماً مبالغاً فيه بقدر ما كانت مناورة سياسية استغل فيها الباشا التنافس بين فرنسا وإنجلترا لتعزيز موقفه أمام السلطان العثمانى.
وعندما حاول الإنجليز عرقلة الصفقة، تدخل القنصل الفرنسى بحيلة بارعة، فعرض على إنجلترا نقل مسلة حتشبسوت من الكرنك، لكنهم أدركوا استحالة ذلك، لأن عملية النقل كانت تتطلب هدم العديد من بنايات معبد الكرنك، بالإضافة إلى عدد كبير من المنازل التى تعترض طريق المسلة قبيل نقلها إلى النيل، فتراجعوا صاغرين.
خُصص للمشروع الفرنسى 130 ألف فرنك، وبُنيت سفينة خاصة طولها 49 متراً سُمّيت الأقصر، وتولى قيادة البعثة المهندس الشاب أبولينير لوبا برفقة 150 عاملاً. وفى أغسطس 1831 بدأ الفريق عمله تحت شمس حارقة بلغت حرارتها خمسين درجة، وسط تفشى وباء الكوليرا. واستغرقت عملية إنزال الكتلة الجرانيتية، التى تزن 250 طناً ويبلغ طولها 23 متراً، شهوراً من العمل الشاق. كما اضطر الفريق إلى هدم ثلاثين منزلاً كانت تعترض الطريق إلى النيل، بينما تكفلت حكومة محمد على بالتعويضات.
وفى التاسع عشر من ديسمبر 1831 استقرت المسلة على متن السفينة، غير أن رحلة العودة تأخرت ثمانية أشهر انتظاراً للفيضان. وكانت الرحلة البحرية محفوفة بالمخاطر، إذ واجهت السفينة قبالة سواحل رشيد صعوبات فى عبور البحر المتوسط، فاستعانت بسفينة بخارية نجحت فى إدخال سفينة الأقصر إلى البحر المتوسط وسط أمواج متلاطمة كادت تبتلع المسلة والطاقم.
وفى العاشر من مايو 1833 رست السفينة فى ميناء طولون، ثم واصلت رحلتها لتصل إلى باريس فى 23 ديسمبر 1833، بعد عام ونصف من المغامرة. كان شامبليون يريد وضع المسلة أمام متحف اللوفر، لكن الملك لويس فيليب فرض رأيه باختيار ميدان الكونكورد. ولم يشهد شامبليون لحظة نصب المسلة، إذ توفى عام 1832.
وبقيت المسلة فى وضع أفقى ثلاث سنوات حتى اكتملت قاعدتها الجرانيتية التى تزن 240 طناً، ثم نُصبت فى الخامس والعشرين من أكتوبر 1836 أمام مائتى ألف متفرج فى احتفال ملكى مهيب، فى الموقع ذاته الذى شهد إعدام الملك لويس السادس عشر بالمقصلة.
فى المقابل، أهدت فرنسا مصر ساعة نحاسية وُضعت فى مسجد محمد على بالقلعة، بينما أُضيف عام 1998 هرم ذهبى إلى قمة المسلة لتعويض الجزء المفقود منها. واليوم تزين المسلة ميدان الكونكورد فى قلب باريس كأقدم معالم المدينة، متفوقة على ما حولها من مبانٍ ومعالم.
ورغم أن مصر شيّدت فى تاريخها أكثر من مائة مسلة، يوجد خارجها اليوم 28 مسلة، ولم يبق داخل البلاد سوى 13 مسلة فقط. وربما كانت هذه المسلة سفيرة فوق العادة للحضارة المصرية القديمة، تروى للعالم يومياً قصة حضارة خالدة، وتذكر الملايين الذين يمرون بميدان الكونكورد بأن مصر ليست مجرد نقطة على خريطة العالم، بل هى منبع الحضارة الإنسانية وشاهدة على تاريخ متشابك بين الشرق والغرب، بين الطموح الاستعمارى والإرث الحضارى، وعنوان لحقبة كانت فيها الآثار المصرية عملة سياسية ودبلوماسية، وجسراً ثقافياً بين الأمم.