عبدالفتاح علي يكتب: تحت البلاطة المصرية.. فتش عن العظمة
عبدالفتاح علي يكتب: تحت البلاطة المصرية.. فتش عن العظمة
يمثل الاقتصاد غير الرسمى فى مصر ظاهرة قديمة ومتجذرة، بل يمكن وصفها بالعنيدة. غير أن التقديرات الرسمية والدولية تشير إلى أن نسبة هذا الاقتصاد إلى نظيره الرسمى بدأت تتراجع نسبياً خلال السنوات العشر الأخيرة، فى سياق تحولات اقتصادية أوسع شهدتها الدولة المصرية.
فمثلاً، أظهرت تقارير لوزارة التخطيط أن نسبة الاقتصاد غير الرسمى نحو 50% من الناتج المحلى الإجمالى فى مطلع العقد الحالى، فيما كشف التعداد الاقتصادى السادس 2023 الصادر عن جهاز التعبئة العامة والإحصاء، أن القطاع غير الرسمى يستحوذ على 50.7% من إجمالى المنشآت الاقتصادية (مليونى منشأة)، مقابل 49.3% للقطاع الرسمى.
يضاف إلى ذلك أن بعض الدراسات قدرت نسبة العمالة غير الرسمية بنحو 60% من إجمالى قوة العمل حتى 2020، وهى نسبة تعكس حجم التحدى الذى واجهته الدولة لعقود.
لا توجد منظمة دولية معنية بالعمل أو التنمية، إلا وحذرت من مخاطر تمدد الاقتصاد غير الرسمى، وما يترتب عليه من فقدان للحماية الاجتماعية، وإهدار للموارد الضريبية، وتشوه فى مؤشرات الاقتصاد الكلى، مؤكدةً فى المقابل ضرورة دمجه تدريجياً.
غير أن مصر، ومنذ ستينات القرن الماضى وحتى ما قبل 2014، لم تضع مسألة دمج الاقتصاد غير الرسمى ضمن أولوياتها، فتوحش، وتحولت فكرة «تحت البلاطة» إلى جزء أصيل من الثقافة الاقتصادية والاجتماعية لكثير من المصريين.
فى فبراير 2016، أطلقت رؤية مصر 2030، التى لم تكن مجرد خطط تنموية قطاعية، بل هى إطار شامل لإعادة بناء دولة حديثة. كان دمج الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية فى المنظومة الرسمية جزءاً لا يتجزأ من فلسفة هذه الرؤية، وليس بنداً هامشياً فيها.
ولقد تجلّى ذلك بوضوح فى استراتيجية الشمول المالى التى قادها البنك المركزى، وفى إدماج هذا الهدف داخل كل مشروع قومى، بل وفى ربطه مباشرة بعمليات تطوير البنية التحتية فى مختلف أنحاء الجمهورية.
هنا يحسن التوقف عند مثال بسيط، لكنه كاشف، عن ثقافة «تحت البلاطة». إذ فوجئ أحد المقاولين باتصال هاتفى يُبلغه بأن ابنته، ذات السبعة عشر عاماً، قد صدمت «توك توك» بسيارتها، فأغلق الرجل الهاتف سريعاً، معتقداً أن الأمر لا يعدو كونه محاولة نصب، فهو يعلم يقيناً أن ابنته لا تملك سيارة من الأساس. لكن مع إلحاح المتصل، تبيّن صحة الواقعة.
واكتشف الأب أن ابنته كانت قد سحبت أكثر من مليونى جنيه من دولاب غرفة نومه قبل أشهر، واشترت سيارة دون أن يلاحظ أى نقص يُذكر فى أمواله. وبعيداً عن تفاصيل القصة، فإن المغزى هنا بالغ الدلالة وكاشف لحجم السيولة النقدية المخزَّنة خارج النظام المصرفى. وهى أموال ليست «قذرة»، لكنها أموال فقد أصحابها الثقة فى النظام الاقتصادى الرسمى، ففضلوا إبقاءها «تحت البلاطة».
بعد 2014، سعت الدولة إلى استيعاب هذه الأموال داخل مشروعات وطنية كبرى، لا عبر المصادرة أو القسر، بل عبر الجذب والمشاركة.
فآلاف المقاولين ضخوا أموالهم، ومئات الآلاف من العمال والصنايعية حصلوا على دخول منتظمة، من مشروعات مثل العاصمة الجديدة، التى كانت صحراء جرداء قبل عشر سنوات، ثم تحوّلت إلى أصول تُقدَّر قيمتها بأكثر من 290 مليار جنيه، وسدّدت وحدها نحو 22 مليار جنيه ضرائب خلال عام 2023، بخلاف الضرائب التى دفعها المقاولون والعاملون بعد انتقال أعمالهم إلى النطاق الرسمى.
ما حدث فى العاصمة الإدارية، تكرر فى العلمين الجديدة، وفى مدن الجيل الرابع التى يبلغ عددها 24 مدينة تعمل حالياً بدرجات متفاوتة من التشغيل ونِسَب الإشغال.
ما شهده القطاع العقارى، امتد بدوره إلى القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية والتكنولوجية، وإن كان التحول الرقمى قد احتاج إلى وقت أطول ليدخل بدوره، نظراً لاعتماده على إنشاء بنية تحتية رقمية ضخمة واستثمارات حكومية هائلة.
لهذا، فإن مَن يقول لك إن مصر قبل مارس 2022 ليست كما بعدها، فهو صادق، وهو التاريخ الذى أُطلقت فيه شبكة المدفوعات الفورية «إنستاباى».
قبل ذلك، كان «الكاش» يسيطر على المعاملات اليومية، وعلى التسويات التجارية الصغيرة الأكثر عدداً. كانت التحويلات البنكية بطيئة ونخبوية، وكان الاقتصاد غير الرسمى طاغياً على المشهد.
بعد هذا التاريخ، انكسرت هيمنة «الكاش»، ودخلت المعاملات الصغيرة الأكثر انتشاراً وتأثيراً فى حياة الأغلبية إلى قلب النظام المصرفى، وكان هذا هو جوهر التحول الاقتصادى الحقيقى.
لم تكن شبكة «إنستاباى» سوى حلقة مركزية داخل منظومة أوسع، تضم المحافظ الإلكترونية، وماكينات البيع، وأنظمة الدفع المختلفة.
ففى الفترة من مارس 2022 إلى مارس 2023، جرى تنفيذ نحو 20.3 مليون معاملة عبر الشبكة، بقيمة 112.7 مليار جنيه، استفاد منها 2.16 مليون مستخدم.
وبحلول مارس 2024، ارتفع عدد المستخدمين إلى أكثر من 11 مليون مستخدم، وقفز عدد المعاملات إلى نحو 1.5 مليار معاملة، بقيمة تقترب من 3 تريليونات جنيه، بزيادة تجاوزت 2150% مقارنة بالعام الأول.
مع نهاية 2025، ستتضح الأرقام أكثر، لتؤكد أن ما جرى ليس تخبطاً ولا عشوائية، بل يمثل تحولاً عميقاً تحاول بعض الأصوات اختزاله ظلماً فى سرديات انهيار غير موجود إلا فى مخيلاتهم.
لن أتحدث عن المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، ولا عن مشروع «حياة كريمة» بوصفه أحد أضخم التدخلات التنموية الاجتماعية فى تاريخ مصر، ولا عن التسهيلات الضريبية، ولا عن عشرات السياسات الأخرى التى ساهمت، مجتمعة، فى تفكيك ثقافة «تحت البلاطة».
إنها دولة تعيد بناء نفسها، وتُشعرك إنجازات شعبها العظيم بالفخر والكرامة، وتؤكد أن الثمن الذى دفعه المصريون فى سبيل الإصلاح والتنمية والبناء، يستحق أن نصر على استكمال ما بدأناه، واستكمال ما حققناه، واستكمال ما خلقناه من عدم.