حديقة أمريكا الخلفية (1)
فى الوثيقة الرسمية النى نشرها البيت الأبيض كاستراتيجية للأمن القومى الأمريكى، شدّد الرئيس دونالد ترامب وفريقه على أن أمريكا اللاتينية تظل هى «الفناء الخلفى» أو «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة، لتُعيد ترسيخ تصور استمر على مدار قرنين من الزمن، هندس العلاقة بين قارات العالم الجديد، وتأسس على مبدأ أطلقه الرئيس الأمريكى الأسبق جيمس مونرو عام 1823، اعتبر أن أى تدخّل من قبل الدول الأوروبية فى شئون الأمريكتين ستعتبره واشنطن عملاً استعمارياً عدائياً، وستتدخل لوقفه.
هذا المبدأ يعنى أن الولايات المتحدة لن تسمح بترك فراغ، سواء فى أمريكا الشمالية أو الجنوبية، تملأه القوى الاستعمارية الأوروبية التقليدية، حيث كانت الأولى مقسّمة بين بريطانيا وفرنسا، وكانت الثانية مقسّمة بين إسبانيا والبرتغال. فسياسياً، قسمت القارة إلى منطقة نفوذ بين الإسبان والبرتغاليين، وفقاً لاتفاق توردسياس 1494 الذى كرس منطقة البرازيل الحالية للبرتغال، بينما آلت بقية القارة إلى إسبانيا، قبل أن تنافسها بريطانيا وفرنسا فى منطقة الكاريبى، إلى أن دان الأمر للإسبان تماماً.
وبنت الوثيقة الأمريكية الجديدة على جهد الولايات المتحدة التاريخى فى مواجهة الإرث الاستعمارى، الذى لم تتوقف واشنطن عند حد تصفيته، بل إن بعض كبار ساستها آمنوا بالدور الرسالى لبلادهم، الذى يسمح لها بالتوسّع، وفق ما يُسمى بـ«القدر الجلى Destiny Manifest»، الذى يعنى أن يداً إلهية تقود أمريكا للتوسع من المحيط الأطلسى إلى المحيط الهادى، وهى عملية بدأت بشراء ولايتى لويزيانا وفلوريدا ثم تكساس، وبعدها خوض حرب ضروس ضد المكسيك بين عامى 1846 و1848، انتهت بضم ولايات أريزونا وكاليفورنيا وكلورادو ونيفادا ونيومكسيكو ويوتاه، مقابل 15 مليون دولار فقط.
والوثيقة الأمريكية الجديدة، التى تأتى فى وقت ترتاب فيه واشنطن من التمدّد الصينى والروسى فى أمريكا اللاتينية، خصوصاً عبر فنزويلا وكولومبيا، تعيد إلى الأذهان إدراك الولايات المتحدة للأجواء الدولية التى صاحبت إطلاق مبدأ مونرو، والتى أثرت على وضع القارة اللاتينية.
فى عام 1821، أعلن قيصر روسيا أن جميع المناطق الواقعة شمال خط الاستواء 51، والتى تمتد إلى مسافة مائة ميل إلى المحيط الهادى، ستكون ضمن مناطق النفوذ الروسى. وبالتزامن اندلعت ثورات عدة فى أمريكا اللاتينية ضد الاستعمار الإسبانى، وأخذت بريطانيا تتأهب للتدخل فى شئون القارة دفاعاً عن مصالح لندن، التى تضرّرت نتيجة قيود صارمة، فرضها الإسبان على التجارة فى هذه القارة.
لقد بدا مبدأ مونرو مجرد تحذير للدول الأوروبية حتى لا تتدخل فى العالم الجديد، أو الأمريكتين، ليستقر كأساس أو إطار لسياسة الولايات المتحدة فى أمريكا الوسطى واللاتينية، رغم أن واشنطن لم تكن تمتلك فى البداية قوة بحرية قادرة على فرض رؤيتها وإرادتها، لكنها حين حازت قوة عسكرية واقتصادية ودبلوماسية، تمكنت مع مطلع القرن العشرين، وتحديداً فى عام 1904، فى عهد الرئيس ثيودور روزفلت، من التصرف كحارس ذاتى، أو شرطى، أو معلم أخلاقى، لأمريكا اللاتينية، ثم دفعت هذا «المبدأ» خطوة قوية إلى الأمام، حين أعلن أن سوء الحكم أو الظلم سيكونان سببين كافيين يستدعيان تدخل أمريكا عسكرياً فى دول هذه القارة.
فالرئيس روزفلت، وفى أول زيارة لرئيس أمريكى خارج أراضى الولايات المتحدة، قام بزيارة بنما عام 1906 ليتفقد مشروع شق قناة بنما، الذى صار فى ما بعد قاعدة عسكرية أمريكية متقدّمة فى اتجاه أمريكا اللاتينية. وقد أدخل روزفلت تعديلات على مبدأ مونرو، فتحت الطريق أمام الولايات المتحدة لتقديم مساعدات اقتصادية إلى بعض الدول، حتى تحافظ على استقرارها، وتدور فى فلك الولايات المتحدة.
وحدّد روزفلت شرطاً أساسياً لعدم تدخّل واشنطن فى شأن داخلى لدولة لاتينية ما، وهو أن تتصرّف هذه الدولة طوال الوقت بحصافة وحكمة فى تعاملها مع واشنطن، ولا تنتهج أى سلوك معادٍ لها، أو تتّخذ قراراً يضر بمصالحها، وبذا فتح الباب لتصير الولايات المتحدة شرطى المنطقة، تحت لافتة تقول: «التحدّث بصوت خافت، ولكن مع حمل عصا غليظة».
ووفق إعلان مونرو وما تلاه من تعديل وتعزيز، تدخّلت الولايات المتحدة فى شئون دول أمريكا الوسطى والجنوبية، فأرسل الرئيس وودرو ويلسون جنود المارينز فى مهمة تحولت إلى إقامة دائمة فى جمهورية الدومينكان بين 1916 و1924 وهايتى بين 1915 و1934. وبقى الجيش الأمريكى فى نيكاراجوا، فبقى المارينز من 1912 إلى 1933 (عدا فترة وجيزة بين 1925 و1927).