كيف بدأت الثورة في سوريا؟.. كواليس أخطر الأنشطة

كتب: محمد عبد العزيز

كيف بدأت الثورة في سوريا؟.. كواليس أخطر الأنشطة

كيف بدأت الثورة في سوريا؟.. كواليس أخطر الأنشطة

في أحد المكاتب المغلقة داخل مبنى المخابرات العامة بدمشق، وبالتزامن مع الذكرى السنوية لسقوط بشار الأسد، عُثر عقب اقتحام المبنى على وثيقة قديمة مكتوبة على ورق أبيض، تحمل توقيع مكتب المدير وختم «سري للغاية - فوري»، لتعود بالذاكرة إلى البدايات الأولى التي سبقت اندلاع الثورة السورية.

بدت الوثيقة، التي حصلت عليها «الوطن» والمكونة من صفحتين، كنافذة نادرة تفتح على عالم خفي ومشحون بالتوتر، توثق البدايات الأولى لتحركات شبابية سرعان ما تحولت إلى ما عرف لاحقًا بـ«الثورة السورية»، وأطلقت شرارة الحرب الأهلية.

ويتزامن نشر الوثيقة مع الذكرى الأولى لسقوط بشار الأسد، وبين تاريخ الوثيقة وتاريخ السقوط، تمتد رحلة طويلة من الحرب الأهلية السورية.

كان أسلوب كتابة الوثيقة دقيقًا وحادًا، يحمل لغة أمنية صارمة، يسرد أسماء المعتقلين، تواريخ ميلادهم، وظائفهم، وأماكن سكنهم، وخلفياتهم العائلية، مع إشارات واضحة إلى الروابط المحتملة بالأوساط الدينية أو السياسية.

وثيقة قبل أيام من اندلاع الثورة في سوريا

الصفحة الأولى عليها ختم «سري للغاية»، مؤرخة بتاريخ 9 مارس 2011، أي قبل أيام قليلة من الثورة، الورق لونه أبيض قديم، فقد مر عليه نحو 14 عامًا، الطباعة مزدوجة مع بعض الحبر اليدوي، وكأن كل كلمة كتبت بعناية لتوثيق ما اعتبرته المخابرات السورية أخطر نشاطات معارضة محتملة.

وفقاً للوثيقة، والتي كتب في بدايتها: «من خلال المتابعة الأمنية لفروع إدارة المخابرات العامة لتوثيف مروجي المناشير والذين يقومون بكتابة عبارات ضد السلطة، أوقفنا كلًا من»، ثم بدأت الوثيقة بسرد الأسماء.

من بينهم محام وطلاب وعاملين حرين، جميعهم تأثروا بالأحداث في تونس ومصر، وهم، المحام في نقابة دمشق، محمد إبراهيم عيسى، واعترف في الوثيقة بسحب مقالات من الإنترنت وطباعتها، ثم لصقها على جدران المدارس في مناطق متعددة بدمشق.

وعمار أحمد الدرع، شريك «عيسى»، كان يراقب الطرق أثناء لصق المنشورات، متعاونًا معه في عمليات ليلية امتدت من منتصف الليل حتى الثانية صباحًا، ونادر درويش ورامي جبر، ناشطان في حمص، كتبا عبارات مناهضة للنظام السوري وتوزيعا منشورات في مناطق البياضة ومسكنة لمدة عشرين يومًا.

ثم جاء الدور على طلاب هندسة المعلوماتية في دمشق وحلب، حمزة عبد الرحمن ومحمد نجيب، الذين خططوا لتظاهرات ضد النظام في 8 مارس، مطالبين بإطلاق سراح المعتقلين، وتواصلوا مع مواقع معارضة مثل سورية الحرة وجبهة الخلاص.

ومحمد باسم دهمان، إمام وخطيب مسجد الهيجانة، الذي تحدث عن احتمال انشقاق الجيش السوري في حال اندلاع مظاهرات، مؤكدًا أن الشعب محتقن ويدعو للثورة يومًا بعد يوم، وأن هناك استعدادات بين أطباء ومهندسين للتظاهرات.

الوثيقة

الإنترنت.. وسيلة التواصل

واستخدم الشباب الإنترنت للبقاء على اتصال، ووسائل بسيطة مثل المنشورات والكتابات على الجدران لإيصال رسائلهم ضد السلطة.

كما تشير الوثيقة إلى درجة المراقبة الأمنية العالية، حيث كان كل تحرك تحت متابعة المخابرات، من نشاطهم على البريد الإلكتروني إلى مراقبة طرقهم في الليل. التوتر والاحتراس يلمحان إلى حجم الضغوط التي عاشها هؤلاء الشباب أثناء تحركاتهم المبكرة.

أحد أبرز تفاصيل الوثيقة هي طريقة التعبير عن الاحتجاج، كتابات مناهضة للسلطة على جدران المدارس، ومنشورات تتضمن عبارات مثل: «كفى ظلمًا - كفى فسادًا - كفى قمعًا».

هذه الوثيقة المفقودة تقدم نافذة نادرة على مرحلة غامضة من تاريخ سوريا الحديث، تكشف عن تحركات شبابية سرية قبل الثورة، استعدادات للتظاهرات، وأفكار مبكرة للمعارضة، كلها تحت رقابة صارمة من السلطات، وهي تبرز كيف بدأت الثورة السورية فعليًا قبل أن تتفجر الأحداث على الساحة العامة في مارس 2011.

الوثيقة

ما هو مصير هؤلاء الأشخاص؟

وبحثت «الوطن» في مصير الأشخاص الواردة أسماؤهم في الوثيقة، وتتبع حياتهم بعد تلك الاعتقالات الأولى وما انتهى إليه كل واحد منهم خلال سنوات الحرب وما بعدها، وتمكنت «الوطن» من معرفة مصير 4 منهم، بينما بقي 4 آخرون مجهولي المصير، يُرجح أن نصفهم استشهد، في حين غادر الباقون سوريا متجهين إلى تركيا أو دول أوروبية أخرى.

من بينهم المحامي محمد عيسى، الذي لا يزال يقيم في سوريا، ويشير إلى أنه مع اندلاع الثورتين في تونس ومصر لفتت الأحداث انتباهه على الفور، فبدأ يتابعها باهتمام وشغف متزايدين.

حينها، كان الواقع الأمني في سوريا شديد القسوة، لا يسمح بأي نقاش علني أو مخاطرة مباشرة، لذلك لم يكن أمام الناشطين سوى الفضاء الإلكتروني، كمساحة أولى لاختبار الأفكار وقياس ردود الفعلـ، عبر البحث على «فيس بوك»، بدأت مجموعات صغيرة في الظهور، ومعها تزايد النشاط تدريجيًا.

اللجوء للمنشورات الورقية والكتابة على الجدران

استمر هذا الحراك الإلكتروني إلى أن ظهرت الدعوة لما عُرف بـ«يوم الغضب السوري» مطلع مارس 2011، أمام مجلس الشعب في دمشق، إلا أن الدعوة لم ترَ النور، ثم لجأ السوريون إلى أبسط الوسائل وأكثرها خطورة في الوقت نفسه، المنشورات الورقية والكتابة على الجدران، طُرحت الفكرة داخل المجموعات المغلقة، وتداولها المشاركون كبديل أخير لإيصال الصوت خارج الفضاء الافتراضي.

سرعان ما تحولت الفكرة إلى قرار، فبدأت عمليات توزيع المنشورات وكتابة الشعارات ليلًا، في محاولة لكسر حاجز الخوف وإيصال رسالة بأن الغضب لم يعد حبيس الإنترنت.

من بين الأسماء الوارد اسمها في الوثيقة، هو عمار الدرع، استشهد خلال الحرب الأهلية السورية، كانت أولى اعتقالاته في التاسع من مارس 2011، عقب مشاركته في أول مظاهرة ضد الحكومة في دمشق، حيث كان يوزع المنشورات ويرسم شعارات مناهضة للنظام على الجدران.

بعد 32 يومًا، عاد عمار إلى أسرته وقرر الابتعاد عن الثورة، إلا أنه بعد حوالي عام عاد إلى النشاط مجددًا، وفقًا لزوجته: «اعتقل عمار في 2013، ومنذ ذلك الحين لم نره أبدًا».

في السنوات الأولى بعد اعتقاله، لم يُعرف عنه أي شيء على الإطلاق، ما سبب لعائلته معاناة كبيرة ومحاولات عديدة لمعرفة مصيره، وبعد نحو 7 أو 8 سنوات، أظهر بيان عائلي أنه مسجل كمتوفى بعد 10 أشهر من اعتقاله، في 14 أبريل 2014.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد، كشفت المستندات أنه كان محتجزًا في فرع المخابرات الجوية، وأنه نُقل قبل استشهاده بيومين فقط إلى السجن العسكري في صيدنايا.

من دمشق إلى ألمانيا

أحد أبرز الأسماء الموجودة في الوثيقة، كان عمرو جبر، وهو الآن يعيش في ألمانيا بعد سنوات قضاها داخل سوريا أثناء الحرب الأهلية، يقول إنه في بداية الحراك الثوري في الوطن العربي، أسس صفحات على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، وكانت نواة ما أصبح يعرف لاحقًا بالتنسيقيات.

يضيف لـ«الوطن»: «الهدف كان جمع الأفكار وتطبيقها على الشارع، فاختير يوم 8 مارس 2011 لتوزيع المنشورات وكتابة الشعارات على الجدران، داعين الناس للثورة يوم 15 مارس 2011».

ألقي القبض على «عمرو» في مدينة حمص، حينها، لم يكن لدى الأمن معرفة دقيقة بنشاطه، لكن كان لديهم أمر باعتقاله وتحويله إلى العاصمة دمشق، إلى فرع تابع لأمن الدولة: «لم تُحدد التهم رسميًا، لكن التعذيب الشديد دفعنا للاعتراف بما يرغبونه، مثل أن بعض الرسائل أو المنشورات التي كتبتها قد مولت من أشخاص خارج الدولة، لتخفيف وطأة التعذيب، خوفًا من أن الاعتراف بأن جميع الأفكار والرسائل كانت من تأليفي يزيد من شدة التعذيب».

أُفرج عن «عمرو» في 15 أبريل 2011 بعد اعتقال دام نحو 45 يومًا، ضمن أول دفعة عفو جاءت لتخفيف حدة الاحتقان في الشارع السوري، وبعد ثلاثة أيام فقط، في 18 أبريل 2011، شاركت في الاعتصام الشهير، أول اعتصام جماهيري في سوريا، واستمر حتى اشتعلت الحرب الأهلية السورية، وغادر إلى برلين.

مصير البقية.. من الوفاة إلى الهرب خارج سوريا

بينما نادر الدرويش قُتل خلال سنوات الحرب الأهلية السورية، بعدما تزوج أثناء الحرب الأهلية وأنجب طفلة صغيرة لم يمهله القدر لرؤيتها تكبر، ووفقًا للمعلومات التي توصلت إليها «الوطن»، اعتمادًا على مصادر تحدثت إلينا، إضافة إلى تتبع بيانات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فإن الأسماء الـ4 المتبقية الواردة في الوثيقة، قُتل بعضهم خلال الحرب، بينما غادر أحدهم البلاد إلى دولة أوروبية، يرجح أنها تركيا.


مواضيع متعلقة