موت خارج السجلات (2).. صناعة القتل السرية في مستشفيات سوريا خلال الحرب الأهلية

كتب: محمد عبد العزيز

موت خارج السجلات (2).. صناعة القتل السرية في مستشفيات سوريا خلال الحرب الأهلية

موت خارج السجلات (2).. صناعة القتل السرية في مستشفيات سوريا خلال الحرب الأهلية

ممر طويل يختنق برائحة الخوف والدم والموت، من الغرف المتقابلة على جانبيه تتصاعد أنات خافتة، كأن الجدران نفسها ترتعش مما تسمع، وعلى الأرض، يمتد بلاط قديم تشربت شقوقه رسومات من دماء سالت حتى صارت جزءًا من ملامحه، الأضواء بالكاد تضيء الطريق، مصابيح لم يمسّها تغيير منذ زمن، تُلقي ظلالًا ثقيلة تزيد المكان وحشة.

وفي الطوابق العلوية، داخل غرف ضيقة بالمستشفى، هناك سرير بلا ملاءة ومَرتبة أنهكها ما وضع عليها من أجساد، تتناثر أدوات الطب في الأركان، لكنها هنا لا تداوي أحدًا، صارت شاهدة على تحول المستشفى إلى مسرح للموت، ومشاركة صامتة في قتل مئات السوريين الذين كان يفترض أن يجدوا فيه ملاذًا وأملًا.

لم تكن القصص التي رواها يوسف عبيد و«أبو علي» خلال الحلقة الأولى من التحقيق عن المقابر الجماعية، نهاية الحكاية، بل كانت مقدمة فقط لجزء آخر أكثر قتامة، فقبل أن تصل الجثث إلى شاحنات التبريد، وقبل أن تُدفن، كانت تمر بمحطة أولى، وهي المستشفيات، هناك، بين جدران الطوابق المغلقة، كانت الحرب تُدار بطريقة مختلفة، ليست بالقذائف، بل بالأدوات الطبية.

في مستشفيات سوريا العسكرية.. يُصنع الموت

إن المسار الذي ينتهي بمقبرة جماعية كان يبدأ غالبًا بسرير داخل مستشفى، حيث يُصنع الموت تحت إشراف طواقم تعرف جيدًا كيف يموت الجسد ببطء دون أن يترك أثرًا واضحًا.

وهكذا، يصبح تحقيق «موت خارج السجلات» غير مكتمل من دون العودة إلى المنشآت التي كانت جزءًا كبيرًا من الأمر، فالأرض التي ابتلعت الضحايا ليست سوى الفصل الأخير، أما الفصول الأولى فكان بعضها يكتب في المستشفيات نفسها، ومع الانتقال إلى الحلقة الثانية من التحقيق، تظهر الشهادات التي تكشف ما كان يحدث قبل أن تخرج الجثة من المستشفى، مشاهد التعذيب، غرف الموت، الشهادات المزورة، وأولئك الذين قُتلوا ثم خرجوا إلى شاحنات التبريد كأرقام بلا أسماء.

سائق بمستشفى حرستا يروي شهادته

«أبو عمر» هو الاسم الذي اختاره لنفسه، وفضّل أن يبقى الاسم الحقيقي طي الكتمان، فالخوف لم يغادره بعد، لأن أسرته وإخوته ما زالوا يعيشون داخل سوريا، بينما هو نفسه هرب قبل نحو 10 سنوات، محاولًا أن يترك خلفه ما رآه.

كان «أبو عمر» يعمل سائقًا في مستشفى حرستا العسكري، لم يكن يومه يشبه أي يوم عادي، فمنذ بدء الحرب الأهلية السورية، بدأ العمل بدوام طويل يقارب 36 ساعة متواصلة، ينام لساعات قليلة، ثم يعود إلى العمل، واستمر ذلك منذ شهر أبريل من عام 2011، حتى أغسطس 2012.

في 13 أبريل 2011، وصلت أول شاحنة تبريد إلى المستشفى قادمة من درعا، ومنذ ذلك اليوم، تغير كل شيء، فقد تحول المستشفى من مبنى آمن يقدم العلاج للجرحى السوريين، إلى مكان يختلط فيه الألم بالرعب، حيث بدأت رائحة الموت تسيطر على جوانب المستشفى، بينما تحولت غرف العلاج إلى مسرح للمعاناة.

تتلقى المستشفيات، خاصة العسكرية، جثثًا بشكل يومي، أعدادها تصل إلى المئات مع اشتداد القصف أو الاقتحامات الكبرى، وفي بعض الأيام، يصل عدد الشاحنات لـ4 أو 5، كل واحدة منها تحمل نحو 200 جثة، أحيانًا أكثر أو أقل حسب الوضع.

الطوابق العلوية.. مساحة خارج الحياة

بالنسبة للأطباء، كان هناك فريق محدد يشرف على الجثث، لم يره «أبو عمر» بعينه، لكن زملاءه شهدوا ذلك، أما الضابط الرئيسي، وكانت تسمى «الرائد زينب»، وفقًا له، فكانت تُشرف على الجثث والضحايا، ولاحقًا تولت المسؤولية كاملة بعد 2012 وحتى سقوط نظام الأسد، بينما تُنفذ عمليات القتل الممنهج داخل المستشفى أحيانًا على يد أطباء أو ممرضين أو ضباط، ضمن ما يُعرف بـ«التصفيات المباشرة».

كانت مهمة «أبو علي» الأساسية تتعلق بنقل الجثث، مجندون كانوا يلفونها بأكياس نايلون ويضعونها في شاحنات التبريد، أما القتل، فكان يحدث غالبًا في الطابق الرابع والخامس من المستشفيات، خاصة في مستشفى حرستا وتشرين العسكري، بعض الضحايا كان يُسجل لهم رقم، لكن العدد الأكبر يُنقل دون أي تسجيل، ويُودع في شاحنات التبريد على طريق السلمية أو نجها، فالمستشفى نفسه كان نقطة عسكرية رئيسية.

«رأينا كل شيء»، يقول «أبو عمر»، يتنوع ما رآه من سجون بالمستشفى في الطابق الخامس، إلى تعذيب بلا توقف، وغياب أي إسعافات للمدنيين أو العسكريين، وجثث رجال ونساء وأطفال بالمئات، وتصفيات مباشرة شاهدها بنفسه 4 أو 5 مرات، نفذها عناصر من الممرضين والضباط.

لم يستطع الاستمرار أكثر من ذلك، هرب متجنبًا مشاهدة المزيد من تلك التي تركت ندوبًا لا تُمحى في ذاكرته: «أخبرتهم إني بعد يومين سأكون معهم، ثم هربت إلى تركيا ثم وصلت لألمانيا»، انشق «أبو عمر» من الجيش، ويعيش في ألمانيا حاملًا معه شهادات لا يُمكن أن تُنسى.

يقول طبيب آخر عمل في مستشفى حرستا، وفضل عدم الكشف عن هويته، إنه شهد تعذيبًا وسوء معاملة شديدين داخل العنابر، الجنود الذين يدخلون المرضى كانوا يطفئون سجائرهم على أجساد السجناء، ويسكبون عليهم مياهًا قذرة من المراحيض، ويمارسون العنف الجسدي بلا رحمة، أحيانًا حتى على من فقدوا وعيهم أو كانوا عاجزين عن المقاومة.

وأضاف أن شاحنة كبيرة مليئة بالجثث كانت تصل إلى المستشفى مرتين تقريبًا في الأسبوع، ويتم وضع الجثث في حديقة المستشفى، وهو الأمر الذي يصفه بـ«إلقاء الرمال في موقع بناء»، دون أي تسجيل أو توثيق لأسمائها، وكأنها مجرد أرقام بلا هوية.

كثير من الجثث تظهر عليها آثار تعذيب أو إصابات مميتة واضحة، بعضها كان ملفوفًا بأكياس نايلون، والبعض الآخر كان عارٍ من أي أثر للإنسانية، مختلطًا بدماء وأوراق دموية، في مشهد صادم يختزن الرعب والخذلان معًا.

وأشار الطبيب إلى أن هذا الروتين القاسي لم يكن مجرد عمل يومي، بل كان جزءًا من آلة كبيرة، حيث لم يكن هناك مجال للرفض أو الاستفسار، وكل شيء يُفرض بالقوة، وصف اللحظات التي تُحمل فيها الجثث إلى الشاحنات بأنها لحظات صمت ثقيل، وكأن الموت نفسه يتجول بين أروقة المستشفى.

عبد المجيد، مساعد طبي قضى أكثر من 12 عامًا في قسم القلب بمستشفى تشرين العسكري في دمشق، فر إلى بريطانيا خلال الحرب الأهلية السورية، لكنه بقي في وظيفته حتى نهاية 2014، وهو الآن يعيش في سوريا بعد سقوط النظام السابق.

مسرح عمليات سري

وفي شهادته، يروي كيف تحول المستشفى، مع حلول الليل، إلى مسرح لعمليات سرية، يطفئ أنوار غرفته ويراقب بصمت عربات تحمل جثثًا مكدسة تخرج من مفرزة الشرطة العسكرية ابتداءً من منتصف الليل وحتى الفجر، ليس يوميًا، بل مرتين أسبوعيًا، خاصة عندما تكثر الجثث وتنتشر رائحتها في أرجاء المبنى.

بحلول نهاية 2011، أصبح المستشفى يضم ثلاث مفرزات أمنية، واحدة عند الباب الرئيسي للتحقق من هويات الوافدين وحماية المكان، وأخرى للشرطة العسكرية مسؤولة عن استجواب المعتقلين ونقل جثثهم، تلتها في 2012 مفرزة للمخابرات العسكرية في الطابق الثامن والأخير لضمان السرية، والإشراف على نقل الجثث إلى مقابر جماعية، إضافة إلى استجواب أهالي المعتقلين.

يقول عبد المجيد إن ضابطًا برتبة رائد كان يرأس هذه المفرزة، التي تمتعت بصلاحيات واسعة، وحُظر على المدنيين والعسكريين دخول الطابق الثامن، الذي خُصص حصرًا لعناصر المخابرات أو أهالي المعتقلين تحت التحقيق.

مفرزة المستشفى

المفرزة العسكرية الجديدة.. هنا سيل الجثث

أُنشئت مفرزة الشرطة العسكرية عام 2011 في مبنى ملاصق مساحته 150 مترًا مربعًا شرقي المستشفى، بهدف استلام جثث المعتقلين وتجميعها وتوثيقها، ثم ترحيلها، وتضم غرفتين للضباط، وغرفتي احتجاز صغيرتين، حيث تُترك الجثث عند الباب الخارجي بعد الموت.

وبين 2012 و2015، بلغ متوسط الجثث الأسبوعي نحو 50، تُنقل بعربات صحية أو شاحنات حسب العدد، وفي 2013، أُقيم حاجز من الطوب لإخفاء النشاط داخل المفرزة، لكن حركة النقل الليلية بقيت كما هي، تذكيرًا صامتًا بآلة الموت التي عملت داخل جدران مستشفى كان يُفترض أن يُشفي.

نائل المغربي، شاب من ريف دمشق، اعتُقل في 5 مارس 2012 بعد إصابته بثلاث رصاصات في ساقه اليمنى، العملية وُثقت بالفيديو، وأرسل لنا نسختها لتأكيد أن محاولة قتله كانت على يد ضابط في الجيش السوري.

يقول: «قضيت 5 أيام فاقد الوعي، عندما صحوت كنت مكبّلًا بالسلاسل ومعصوب العينين داخل المستشفى، 120 يوم وأنا على هذا الحال».

بعد نقله إلى المستشفى العسكري، بدأ فصل آخر من التعذيب، لكن هذه المرة بأدوات طبية لا بأسلحة، يروي واحدة من أكثر اللحظات التي بقيت عالقة في جسده قبل ذاكرته: «كان عندي جهاز تثبيت خارجي لعظمة مكسورة، الطبيب بدأ يفك السياخ، بدون أي تخدير، كان يمسك السيخ ويحركه لفوق لتحت، ويمين ويسار، قبل ما يشده من مكانه، لما سحب أول سيخ صرخت، ولما بدأ يسحب الثاني فقدت الوعي، صحّوني، وكملوا، كان يوم لا يمكن بشر يتحمله».

كان رقمه داخل المستشفى «29»، وعمره حينها 21 عامًا، يقول: «كانوا يعذبونا بكل الطرق، لأنهم شايفين إننا ميتين في النهاية»، ولم يكن «المغربي» وحده، فأحد المشاهد الأكثر وحشية بالنسبة له كان ما حدث لصبي يبلغ 15 عامًا.

يقول: «كانوا يتسلوا فيه، يرشوا بخاخ ويحطوا الولاعة ويولعوا النار على جسمه من فوق لتحت، وبعد ما يتحرق الجلد، يجيبوا شفرة موس ويمشوها على الجزء المحروق، صراخه كان شيء فوق الوصف، وبعدين لفوا جسمه كله بالشاش وحطوه معي بالغرفة».

التعذيب كروتين يومي

كان التعذيب داخل المستشفى روتينًا ثابتًا، يبدأ مع الساعة الرابعة عصرًا، ثم يعود مرة أخرى في الثانية صباحًا، وأخيرًا، خرج من سوريا بعد سنوات، واستقر في ألمانيا، لكنه لم يغادر فعليًا ما حدث له.

حتى اليوم، لا يزال الألم يسكن ساقه المكسورة، رغم أن الفحوصات الطبية التي أجراها في ألمانيا أكدت أن لا مشكلة عضوية متبقية، كان الأطباء يقولون إن الألم «نفسي»، فهو ذاكرة للتعذيب الذي تعرّض له، فكلما عاد ليروي ما حدث، يعود الوجع بقوة، كأن الجسد يستدعي التفاصيل التي حاول أن يدفنها.

لم تكن المستشفيات العسكرية في سوريا مجرد مبان لاستقبال المرضى، بل على مدى سنوات الحرب الأهلية، أصبحت الوجه الآخر للمقابر الجماعية، ممرات معقمة بالدم، أبواب تغلق من الداخل، غرف لا يصلها الضوء، وجثث تخرج باردة، بعدما دخلت تطلب الحياة.

في مايو الماضي، ألقت السلطات السورية القبض على الطبيب بسام علي، وهو ضابط سابق في مستشفى تشرين العسكري، بتهم تتعلق بتعذيب المعتقلين وقتلهم بحقن مواد قاتلة، إضافة إلى تورطه في تجارة الأعضاء وابتزاز ذوي المعتقلين، وأكدت وزارة الداخلية السورية في بيان، أن بسام علي، حوّل المستشفى إلى مسلخ بشري خلال النظام السوري السابق، وأن التحقيقات مستمرة لكشف المزيد من الجرائم.

من هذه المستشفيات، كان مستشفى حرستا العسكري، ومستشفى تشرين العسكري، ومستشفى 601 وحمص العسكري، وفيهم تحول الطب إلى واجهة تخفي ماكينة قتل واسعة، يمسك خيوطها أطباء وضباط وممرضون، يتشاركون معرفة واحدة سرية، أن المستشفى ليس للعلاج، بل لتصفية من يُعتبر «عدوًا».

تكشف وثيقة ومعلومات حصرية حصلت عليها «الوطن»، أن واحدًا من أبرز الأسماء التي أدارت هذا الشكل من العنف الطبي كان اللواء الطبيب عمّار سليمان، الرجل الذي أصبح اسمه، بين الأطباء والعاملين في القطاع الصحي العسكري، مرادفًا لتحول المستشفى من مساحة للعلاج إلى مساحة مُحكمة للتعذيب والتصفية.

داخل الطابق الخامس في مستشفى حرستا العسكري، تشير شهادات الأطباء إلى منطقة معزولة مغلقة، لا يدخلها سوى عدد محدود من الضباط والعاملين الموثوقين، هناك، خلف الأبواب الثقيلة، كان يتم تعذيب المعتقلين قبل نقلهم إلى الأقسام السفلية في هيئة مرضى.

كانت الأرقام تُكتب على جبين بعض الجثث أو صدرها، وغالبًا لا تُكتب، كما كان بعض الضحايا ينقلون مباشرة من غرف التعذيب إلى الشاحنة، فيما تمر جثث أخرى على مكتب أحد الضباط، يقرر خلال لحظات ما سيُكتب في خانة سبب الوفاة، سواء «توقف قلبي»، أو «نزيف داخلي»، أو «هبوط حاد بالدورة الدموية».

ملفات دمشق المُسربة تخرج إلى النور

التقط مصورون عسكريون سوريون وضابط عسكري سابق شغل منصب رئيس وحدة حفظ الأدلة في الشرطة العسكرية بدمشق بين عامي 2020 و2024، صورًا عديدة تضم أكثر من 134 ألف وثيقة، عرفت بـ«ملفات دمشق»، والتي خرجت تفاصيلها إلى العامة خلال شهر ديسمبر الجاري، وتُلقي تلك الملفات الضوء على آليات عمل أجهزة الأمن والاستخبارات التابعة للحكومة السورية السابقة، والتي حصلت عليه بشكل حصري هيئة الإذاعة الألمانية «NDR» والاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، وحصلت «الوطن» على بعضها، خاصة فيما يتعلق بجرائم المستشفيات وشهادات الوفاة.

وثيقة

من بين الوثائق التي حصلت عليها «الوطن» خلال التحقيق، شهادة وفاة صادرة عن أحد المستشفيات العسكرية السورية، تحمل توقيع 3 ضباط أطباء.

على الورق، يبدو كل شيء طبيعيًا، اسم المتوفى، تاريخ الوفاة، ختم المستشفى، وصيغة تُسجل الأمر كأنه وفاة عادية، لكن هذه الشهادة، مثل آلاف غيرها، تكشف جانبًا آخر من العمل داخل المستشفيات العسكرية، كيف كانت «آلية الموت» تُنتج أوراقًا تبدو رسمية ومرتبة، بينما تخفي وراءها جرحًا أعمق، حيث رجل مات تحت التعذيب، وجثة نُقلت في شاحنة تبريد، وفي النهاية تقرير طبي لا يذكر شيئًا، فكانت المستشفيات لا تمنح أوراقًا طبية، بل تمنح غطاءً قانونيًا لآلة قتل لا تتوقف.

وثيقة

وفي زاوية أخرى من الملف الذي حصلت عليه «الوطن»، تظهر ورقة تبدو عادية، حيث جدول مطبوع، وأسماء مرتبة، وأرقام هوية، وتواريخ دقيقة، وتوقيع ضابط طبي في أسفل الصفحة.

لكن هذا الجدول، الذي يحمل ختم أحد المستشفيات العسكرية السورية، يكشف وجهًا آخر من آلية الموت التي أدارتها أجهزة النظام خلال سنوات الحرب، فهو يسجّل عشرات الوفيات في فترات زمنية قصيرة، بينما لا توجد أسباب للوفاة أو ملابساتها.

الوثيقة التي لم تكن معدة للخروج إلى العلن تُظهر كيف تحولت المستشفيات إلى محطات عبور للجثث، لا تقل أهمية عن غرف التحقيق في الأفرع الأمنية، فكل جثة تُرقم وتُوثق وتُرسل إما إلى شاحنة تبريد، أو إلى مقبرة نجها أو السلمية، دون أن يظهر على الورق أي أثر لعلامات التعذيب التي تحدث عنها الشهود، وأكدتها الوثائق الأخرى.

وتكشف هذه الوثائق النادرة في ظل عمليات الإتلاف الواسعة للوثائق التي نفذها ضباط الأمن قبل سقوط النظام، أن ما رواه السائقون والممرضون والأطباء الذين التقيناهم لم يكن شهادات فردية، بل فصلًا صغيرًا من منظومة كاملة، مُحكمة، وموثقة بالأختام الرسمية.

«الإبادة الطبية» في الحرب الأهلية السورية

وشهدت مستشفيات سوريا خلال الحرب واحدة من أكثر الجرائم تعقيدًا، وهو مصطلح غير مسبوق أطلق عليه «Medical Genocide - Clinicide»، ويعني باللغة العربية «الإبادة الطبية»، وهو توصيف لحالة قتل ممنهج تُدار من داخل المستشفيات نفسها، حيث تُستخدم أدوات الطب وتقنياته كوسيلة للقتل بدل العلاج.

وفق معلومات حصرية وشهادات من معتقلين وعُمال سابقون، شملت الأساليب قطع إمدادات الأكسجين عن المرضى، ترك المصابين ينزفون حتى الموت، حقن أدوية بجرعات قاتلة، وتحويل بعض غرف المستشفى إلى ساحات تعذيب مغلقة تعمل بالتوازي مع الفروع الأمنية.

وخلال سنوات الحرب، بينما كان يُنظر إلى المستشفيات في الخارج على أنها مكان للحماية والنجاة، كانت بعض المستشفيات العسكرية داخل سوريا تُدار كشبكات موت صامتة لا يدخلها أحد دون أن يخرج محمولًا.

تفيد شهادات حصرية من أطباء وممرضين سابقين بأن دائرة محدودة العدد كانت تتولى التعامل مع الجثث، قياس حرارة الجسد للتوثيق، تثبيت الوفاة بشكل صوري، لف الجثة بأكياس بلاستيكية، ثم نقلها إلى شاحنات تبريد خاصة تُدار من قبل عناصر عسكرية.

وتوضح هذه الشهادات أن ليس كل العاملين كانوا مشاركين، بعضهم اختار الصمت، وبعضهم تجنب النظر، بينما اختفى آخرون بعد محاولات اعتراض محدودة.

مسار الضحايا.. من المستشفى إلى المقابر الجماعية

كان هناك مسار ثابت للجثث داخل هذه المستشفيات، تبدأ الرحلة في غرفة التعذيب المغلقة داخل المستشفى، ثم تنتقل الجثث إلى غرفة الإنعاش الصورية، التي لم تُستخدم إلا لتوثيق الوفاة على الورق، من هناك، تُحمل الجثث إلى الحديقة الخلفية، لتجميعها قبل أن تُحمل بعشرات دفعة واحدة في شاحنة التبريد، تسير الشاحنة على الطريق، حتى تصل إلى الحفرة الجماعية، حيث تُدفن الجثث بالعشرات وربما المئات، بلا أسماء أو سجلات، وكأنها اختفت من العالم، وهو المسار الذي كشفت «الوطن» عن تفاصيله خلال الحلقة الأولى من التحقيق.

وتؤكد المصادر أن العملية كانت تُدار ضمن منظومة إدارية محكمة وتوقيعات رسمية وأكياس بلاستيكية موحدة، أختام وشهادات وفاة جاهزة تُحول القتل المتعمد إلى ما يشبه إجراءً إداريًا.

تشير أحدث تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن حالات الاختفاء القسري مستمرة في سوريا، فقد أعلنت المفوضية، أن نحو 100 شخص اختطفوا أو اختفوا منذ مطلع العام، مع ورود أنباء عن حالات جديدة بشكل مستمر.

وقال المتحدث باسم المفوضية، ثمين الخيطان، للصحافيين في جنيف: «بعد مرور 11 شهرًا على سقوط الحكومة السابقة في سوريا، لا نزال نتلقى تقارير مقلقة عن اختطاف أو اختفاء عشرات الأشخاص».

في سياق التحقيق، تعكس هذه الأرقام والبيانات أن ما نتناوله من فظائع داخل المستشفيات ونقل الضحايا إلى المقابر الجماعية ليس حدثًا من الماضي فقط، بل جزء من سلسلة مستمرة من الاختفاءات القسرية والقتل خارج القانون، دون تحديد المسؤول عن تلك الحالات الجديدة حتى الآن.

«الوطن» لم تستطع التواصل مع عائلة الأسد للحصول على رد أو توضيح، فلا توجد وسيلة تواصل مباشرة معهم، كما لم يرد أي من أعضاء الحكومة السورية السابقة على طلبات الاستفسار، ولم نتمكن أيضًا من التواصل مع الأطباء والضباط العاملين في المستشفيات العسكرية السورية، مع ذلك، نفى بعض الأطباء الذين وردت أسماؤهم في وثائق دمشق أي استخدام للتعذيب أو القتل داخل المستشفيات خلال الحرب الأهلية، رغم ما تؤكده الوثائق والشهادات التي حصلنا عليها.

مستشفيات سوريا

مصير المفقودين في سوريا

تقول زينة شهلا، المتحدثة باسم الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، والمعنية بالكشف عن مصير كل المفقودين السوريين وتقديم الدعم لعائلاتهم، إن محاولة الوصول إلى المفقودين يتضمن كل ما يمكن أن يساهم في الكشف عن المصير، بما في ذلك المقابر الجماعية.

وأكدت، خلال حديثها، لـ«الوطن»، أنه وبشكل شبه يومي تكتشف مواقع لرفات مجهولة في معظم المناطق السورية، ومنذ سقوط بشار الأسد وحتى اليوم اكتشفت عشرات المواقع.

وأوضحت أن الهيئة الوطنية للمفقودين، والتي أنشأت في مايو الماضي بموجب المرسوم الرئاسي رقم 19 لسنة 2025، الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع، تعمل بالتعاون مع الدفاع المدني ووزارتي الداخلية والعدل، على إجراءات الانتشال المنهجي للرفات وفق البروتوكولات المعتمدة، حيث يتم التعامل معها بعناية خاصة، وتوثيق الموقع بالكامل، ثم ترقيم الرفات وترميزها لضمان الحفاظ على التسلسل الجنائي وسلامة الأدلة.

تفتقر سوريا للكثير من الموارد البشرية والتقنية اللازمة لإتمام عمليات التعرف والتوثيق، لكن خلال الوقت الحالي، تعمل الهيئة الوطنية للمفقودين على إطلاق آليات للإبلاغ والتوثيق لبيانات المفقودين ليصار إلى بناء قاعدة بيانات وطنية مركزية للمفقودين كخطوة أولى نحو كشف المصير.

يقول الدكتور أنس الحوراني، رئيس مركز الاستعراف السوري لتحديد الهوية، إن المقابر الجماعية هي مواقع تُدفن فيها جثث الضحايا في حفرة واحدة وبشكل عشوائي، دون أي اعتبار ديني أو أخلاقي، وعند فتح أي مقبرة، يظهر ذلك من خلال وجود هياكل عظمية مختلطة ومدفونة فوق بعضها البعض، ما يدل على أن الدفن تم على عجل وبسرية تامة.

تعد عظم الفخذ من أهم العظام في عمليات تحديد الهوية، وفقًا لـ«الحوراني»، الذي أوضح خلال حديثه مع «الوطن»، أنه من خلال قياس طول العظم، يمكن تقدير طول القامة باستخدام معادلات علمية معتمدة عالميًا، كما يساعد قياس رأس العظم في تقدير جنس المتوفي، لكن هذا غير حاسم دون دراسة عظم الحوض والجمجمة، مشيرًا إلى أن عظم الفخذ أيضًا المكان المفضل لأخذ عينات الـDNA، نظرًا لصلابته وقدرته على الحفاظ على المادة الوراثية لفترات طويلة.

كما تعد الأسنان أيضًا وسيلة علمية معتمدة عالميًا لتحديد هوية المفقودين، إذ تُسجل كافة بيانات الأسنان بالتفصيل، الشكل، اللون، المعالجات، ترتيب الأسنان، ثم تُقارن مع معلومات قبل الوفاة، من طبيب الأسنان أو صور أشعة أو صور شخصية للضحايا.

وأشار «الحوراني»، أن الأسنان تعتبر أفضل مكان لأخذ عينات DNA، لأنها مقاومة للتحلل وتحافظ على شكلها إلا عند تعرضها لحرارة عالية أو تهشم بعد الوفاة.

خطوة نحو العدالة

مازن البلخي، مدير برنامج سوريا والشرق الأوسط في اللجنة الدولية المعنية بالأشخاص المفقودين، يقول إنه لا يمكن لأحد تقدير العدد الحقيقي للمقابر الجماعية في سوريا، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، تعيش سوريا تحت وطأة مقابر جماعية، والتي كشفت عن جزء منها ملفات قيصر المسربة، ومؤخرًا، ملفات دمشق المسربة.

وأكد «البلخي»، لـ«الوطن»، أن المركز الدولي للعدالة الانتقالية، وثق بالتعاون مع منظمة «محامون وأطباء من أجل حقوق الإنسان»، 134 مقبرة جماعية بعد مسح 5 محافظات فقط عقب تحريرها، ومنذ ذلك الحين، تم اكتشاف العديد من المقابر الجماعية الأخرى، وقد تلقت اللجنة الدولية المعنية بالمفقودين إحداثيات لأكثر من 78 مقبرة جماعية في مختلف أنحاء الأراضي السورية.

تحديات عديدة لتوثيق المقابر الجماعية

لكن، عملية توثيق المقابر الجماعية في سوريا تواجه تحديات عديدة، فوفقًا لـ«البلخي»، خاصة ما كان يحدث من تفويض ممنوح لأفراد جيش النظام السابق بقتل أي معارض أو ناشط مدني عند نقاط التفتيش دون تسجيل أسمائهم، وهو ما يفسر العدد الهائل من المفقودين الذين لا يوجد دليل على اختفائهم، كما أكد أنه تم اكتشاف العديد من المقابر الجماعية بالقرب من نقاط التفتيش الأمنية المنتشرة في شوارع سوريا.

تستخدم اللجنة الدولية للمفقودين، أحدث التقنيات العلمية للمساعدة في تحديد مواقع المقابر الجماعية، وتستخدم صور الأقمار الصناعية، والتصوير الجوي، وتحليل المعلومات المتاحة للعموم، وأدوات الذكاء الاصطناعي، وتعتمد على فنيين لتحليل هذه المعلومات تمهيدًا لمشاركتها مع الهيئة الوطنية للمفقودين.

وللمساعدة في الوصول إلى هوية المفقودين، ورفات المقابر الجماعية، أكد «البلخي»، أن الأمر يستدعي إنشاء مختبر لتحليل الحمض النووي في سوريا، مضيفًا: «ستساهم اللجنة الدولية لشؤون المفقودين في إنشاء هذا المختبر وتدريب فرق علمية سورية لتحليل العينات وإجراء مطابقة جينية مع العينات التي قدمتها أو ستقدمها عائلات المفقودين».

لا يوجد رقم رسمي دقيق حتى الآن لعدد المقابر الجماعية، لكنه أشار إلى أن العدد التقديري للمقابر الجماعية المكتشفة يبلغ حوالي 200 مقبرة حتى الآن، بحسب مدير برنامج سوريا والشرق الأوسط في اللجنة الدولية المعنية بالأشخاص المفقودين: «هذا مع الأخذ في الاعتبار أن الحكومة السورية لم تتمكن بعد من الوصول إلى شمال شرق سوريا، ومن المرجح أن يرتفع العدد بشكل ملحوظ عند دمج هذه المناطق قريبًا».

انتظار لا ينتهي

رغم ما مروا به، يحاول السوريون اليوم أن يلتقطوا أنفاسهم ويستعيدوا ما تبقى من حياة طبيعية بعد عام كامل على سقوط النظام السابق، لكن خلف هذا المشهد، تقف عائلات المفقودين في انتظار ثقيل لا ينتهي، على أمل خبرًا واحدًا فقط، اسمًا يُعلن أن الغائب صار مُعرّفًا، يعرفون في قرارة أنفسهم أنه بات بين الموتى، لكن السؤال الذي يطعن قلوبهم كل يوم يبقى نفسه، أين جثته؟ هل دُفنت أم ما زالت في مكان لا يعرفه أحد؟

حصلت «الوطن» على الوثائق والصور عبر الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، إلى جانب معلومات قدمتها منظمة سوريا للطوارئ، وشهادات من مصادر مباشرة داخل سوريا وخارجها، فضلت عدم ذكر أسمائها لأسباب أمنية، كما استند التحقيق إلى روايات عمال سابقين وأطباء خدموا في المستشفيات العسكرية خلال سنوات الحرب، وإلى الورقة البحثية «الأطباء السوريون.. بين التقدم الاجتماعي وخدمة دولة التعذيب» للباحثة الفرنسية في علم الاجتماع إليزابيث لونجنيس، التي جمعت فيها عشرات الشهادات والمراجع حول تورط القطاع الطبي في منظومة العنف.

ولقراءة الجزء الأول:

موت خارج السجلات (1).. حاملو الرفات يتحدثون عن مقابر سوريا الجماعية


مواضيع متعلقة