اقتراح دولة فلسطين (1)

«من أكبر نقاط الضعف فى الموقف العربى إزاء قضية فلسطين، أنه لا يوجد لدى العرب جميعاً، رسميين وغير رسميين، أى تصور كامل أو شبه كامل للحل النهائى لقضية فلسطين». الكلمات السابقة للأستاذ أحمد بهاء الدين، من كتابه «اقتراح دولة فلسطين.. وما دار حوله من مناقشات»، الصادرة طبعته الأولى عن (منشورات دار الآداب) اللبنانية فى يناير سنة 1968.

ليست الأفكار وحدها ما يتغير مع الزمن، بل طريقة تلقّيها، وسياقات توظيفها، والغايات التى تُستدعى من أجلها. فما كان يُعد يوماً طرحاً صادماً أو جريئاً، قد يتحول لاحقاً إلى وصفة جاهزة يُعاد تدويرها بلا مساءلة. وبين هذين الزمنين، تظل القضية الفلسطينية مرآة كاشفة لأزمة التفكير العربى، وحدود قدرته على إنتاج حلول نابعة من إدراك حقيقى لطبيعة الصراع، لا من الهروب إلى عناوين مريحة أو حلول مؤجلة.

كان اقتراح «بهاء» عنواناً لمقاله الشهير الذى نشره كاتبنا الكبير (رحمه الله) فى مجلة «المصور» فى أكتوبر سنة 1967، بعد أشهر قليلة من النكسة، قصد به الأستاذ بهاء تنشيط الفكر العربى الجريح، وطرح ما كان وقتها جريئاً، إلى حد أنه أثار عاصفة من المناقشات الجادة والحادة، استدعت جمعها فى كتاب تحوّل إلى وثيقة شاهدة على عصرها، تؤرخ لنا أول مناقشة ناضجة (ومتأخرة) لاقتراح ربما يبدو اليوم عادياً، بل يتم تسويق إحدى نسخه العصرية لـ«دولة فلسطين» على أنها طوق نجاة للقضية، حتى بات ما يُعرف بـ«حل الدولتين» بأنه الأمل الأخير الذى ربما ينقذ أهل فلسطين من بين أنياب الاحتلال الصهيونى الغاشم.

وقد بُذلت محاولات فلسطينية وعربية مضنية لانتزاع اعتراف رسمى بـ«دولة فلسطين» ومنحها شرعية أممية كاملة، لكن بقى «حل الدولتين» جزءاً من سياق مراوغ توظفه أمريكا وإسرائيل، كى نغمض أعيننا عما يجرى فى غزة التى ما زالت تنتظر «يوماً تالياً» لا يبدو له حتى الآن موعد أو ملامح.

وكنت قد حصلت على نسخة أخرى من كتاب الأستاذ بهاء من جناح «دار الهلال» فى معرض الكتاب الماضى، بعد أن فقدت نسختى الأولى التى اشتريتها قبل عقدين من الزمان. وعندما اختليت بالكتاب التهمت صفحاته الصفراء الكالحة، التى يفوح منها تراب سنوات تجاوزت نصف القرن، لكنها بدت طازجة رغم ما تشعه من ألم يلمع فى سطورها، التى خلّدت ذكريات وحوادث قاسية، وصولاً إلى محطتنا الحالية، التى يتجسد فيها العجز العربى والدولى فى القدرة على إيقاف المجزرة المستمرة تجاه أهل غزة، والتى تحصد يومياً المزيد من أرواح الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطينى.

ومن بين كبار مفكرينا العرب الذين طرحوا رؤيتهم للنقاش فى هذا الكتاب القديم، لمحت اسم الأستاذ غسان كنفانى، أيقونة النضال والأدب الفلسطينى، الذى اغتاله الموساد الإسرائيلى سنة 1972. والتقطت هذه السطور من رده الذى جاء تحت عنوان «المقاومة هى الأصل»، والذى استهله قائلاً: «سيبدو اقتراح أحمد بهاء الدين حول إعادة خلق دولة فلسطين فى الأردن وغزة للكثيرين وكأنه وضع الحصان وراء العربة، أما أنا فأعتقد أن المشكلة أصعب من ذلك لأنها مزدوجة. وإذا كان الوقت الآن هو الوقت المناسب لفتح الدفاتر القديمة كى يسهل علينا التعرف على الدفاتر الجديدة، فإن أسوأ ما فى تلك الدفاتر هو أن عرب فلسطين، والعرب عموماً، رفضوا اقتراحاً مثل هذا الاقتراح عام 1948. وفى 15 مايو من ذلك العام، حين أعلنت إسرائيل فى منتصف الليل تشكيل حكومتها الأولى، لم يكن يخطر على بال أى عربى أنه لو أعلن العرب فى تلك الليلة حكومة فلسطينية لتغير الكثير مما حدث فى العشرين سنة اللاحقة».

العودة إلى كتاب أحمد بهاء الدين، وإلى نقاشات جيله، ليست حنيناً إلى الماضى، بل محاولة لفهم كيف وصلنا إلى هذا الفراغ الفكرى والسياسى، حيث تُطرح الحلول ذاتها خارج سياق القوة والعدالة والتاريخ. فالمشكلة لم تكن يوماً فى غياب الاقتراحات، بل فى غياب الإرادة والرؤية الجامعة. وبين مقاومة «كنفانى» وتحذير «بهاء الدين»، يظل السؤال معلقاً: هل نملك اليوم شجاعة التفكير خارج الوصفات الجاهزة، أم نكتفى بإعادة إنتاج العجز بلغة جديدة؟

وللحديث بقية