علي الفاتح يكتب: هذه خطوط مصر الحمراء.. فلا تقربوها

كتب: editor

علي الفاتح يكتب: هذه خطوط مصر الحمراء.. فلا تقربوها

علي الفاتح يكتب: هذه خطوط مصر الحمراء.. فلا تقربوها

ما يجرى فى السودان ليس حرباً أهلية أساسها عرقى أو دينى، ولا صراع على السلطة بين قوتين متناحرتين، وإنما عدوان يريد احتلال البلد بالوكالة لنهب ثرواتها، ومد نفوذ بالبحر الأحمر معادٍ للأمن القومى المصرى والسعودى.

مع إعلان مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيونى، استراتيجيته لتغيير خريطة الشرق الأوسط، وإعادة تشكيلها على نحو يمكن الكيان من تزعم المنطقة، وفرض المشروع الصهيونى عليها، هناك من قرّر أن يلعب دوراً وظيفياً لصالح هذا المشروع الخبيث، وليصبح جزءاً من استراتيجيته بتولى مسئولية تنفيذ خططها فى البحر الأحمر والقرن الأفريقى، رغم بعده الجغرافى عن القارة السمراء، وعدم مشاطأته للبحر الأحمر.

ربما تصور أنه بذلك يُقوّض نفوذ من يعتقد أنهما منافساه الإقليميان، «مصر والسعودية»، ولأن فرض هيمنة المشروع الصهيونى فى الشرق الأوسط لا يكتمل إلا بمد نفوذه فى القرن الأفريقى عبر البحر الأحمر، اختار أن يكون مندوبه فى تلك المنطقة ظناً منه أنه بذلك يخلق لنفسه وضعاً إقليمياً مميزاً فى المعادلة الصهيونية الجديدة، ويجعل منه دولة كبيرة ذات تأثير تمحو الدور المصرى والسعودى، الذى ما زال الحاكم لموازين القوى فى المنطقة.

هناك محاولة لتغيير مفهوم الأمن الإقليمى، بحيث تخدم المفاهيم الجديدة أمن الكيان الصهيونى، وتضمن رسوخ مشروعه للهيمنة، وما كان لهذه المحاولات أن تجد متنفساً لولا تغيير جوهرى فى مفهوم المصلحة الوطنية، الذى بات لا يراعى المصالح الجماعية، كما كان الحال طوال العقود الماضية، وهو المبدأ الذى ساعد على إيجاد معادلة إقليمية تضمن أمن واستقرار الجميع.

الأنانية المفرطة والرغبة فى أدوار إقليمية أكبر من الإمكانات المتاحة بحكم التاريخ والجغرافيا جعلت المغامرين يسعون لتحقيق مصالحهم، ولو كان ذلك على حساب الأمن القومى للآخرين، وعلى حساب أمن واستقرار الشعوب واستقلال الدول ووحدة أراضيها، وسلامة مؤسساتها الوطنية.

المشروع الصهيونى ومن يدورون فى فلكه شأنهم شأن المشروع الإخوانى، يعادون الدولة الوطنية الحديثة، ويعملون على تقويضها وهدمها حتى يتسنى لهم سرقة ثروات الشعوب.

لذلك ليس غريباً أن نجد مشاهد الإبادة الجماعية وحرب التجويع وتدمير المستشفيات والمرافق العامة فى غزة تتكرّر فى مدن وقرى السودان، مضافاً إليها جرائم الاغتصاب الجماعى بهدف ترويع، وإخضاع الشعب السودانى. بيان الرئاسة المصرية الداعم لدولة السودان، والذى أعقب لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسى برئيس مجلس السيادة الانتقالى السودانى الفريق عبدالفتاح برهان جاء ليكشف حقيقة حرب الإبادة الدائرة فى السودان الشقيق وطبيعة أهدافها عبر إعلانه عن خطوط مصر الحمراء، التى لن تسمح بتجاوزها، ولو كان ذلك بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين منذ صيف 1976.

البيان المصرى حدّد الخطوط الحمراء فى عدة نقاط، وهى: وحدة دولة السودان، وسلامة أراضيها، وعدم العبث بمقدرات الشعب السودانى، وحماية مؤسسات الدولة السودانية، والحفاظ على تماسكها وسلامتها، وعدم الاعتراف بأى كيانات موازية لمؤسسات الدولة السودانية، ورفض أى محاولة لتقسيم السودان والانتقاص من أقاليمه وأراضيه.

فى التحليل النهائى، تشرح هذه الخطوط الحمراء طبيعة المخطط الخبيث الذى يستهدف الأمن القومى السودانى، ومن ثم الأمن القومى المصرى، فالتشديد على وحدة السودان وسلامة أراضيه يأتى رداً على ما سمّاه زعيم عصابة الدعم السريع محمد حمدان دقلو، بالتوافق مع بعض القوى السياسية، دستوراً يقضى بتقسيم السودان إلى ثمانية أقاليم، مما يعنى التمهيد لتفتيت أراضى الدولة وتقسيمها ربما إلى عدة دويلات، فالهدف هو القضاء تماماً على الجيش السودانى حتى يتمكن داعمو عصابة الدعم السريع الإرهابية من الوصول إلى البحر الأحمر، والسيطرة على بورسودان.

أما التحذير من العبث بمقدرات الشعب السودانى، فهو إنذار بوقف سلب ونهب ثروات السودان من الذهب وغيره من المعادن النفيسة، وفى ما يتعلق برفض الاعتراف بأى كيانات موازية، فإن الإرهابى حميدتى قام فى يوليو الماضى بإعلان حكومة موازية للحكومة السودانية، بالتوافق مع حلفائه فى بعض التيارات السياسية اليسارية والليبرالية.

ليأتى التأكيد على أن المساس بسلامة الدولة السودانية خط أحمر للرد على حملات إعلامية وسياسية ممنهجة تسعى لتشويه الجيش السودانى والقول إن الإسلاميين يشكلون هياكله الرئيسية رغم الإصلاحات الكثيرة، التى أجراها الفريق عبدالفتاح البرهان داخل مؤسسة الجيش.

مصر أكدت فى بيانها الرئاسى دعمها الكامل لمبادرة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لإنهاء الحرب فى السودان، والعمل على إحلال السلام والاستقرار، وهذا الإعلان يأتى لتطويق محاولات دبلوماسية من قبل داعمى عصابة الدعم السريع الإرهابية، للتأثير على الموقف الأمريكى، لا سيما أنهم يلعبون هذا الدور فى سياق أجندة المشروع الصهيونى.

من المهم هنا الإشارة إلى أن مصر عقدت مؤتمراً جمع دول جوار السودان «تشاد، جنوب السودان، إثيوبيا، أفريقيا الوسطى، إريتريا»، فى نهاية يوليو 2023، أى بعد اندلاع هذه الحرب بـ3 أشهر فقط، وحذّرت من الدعم الخارجى لميليشيا الدعم السريع حتى يمكن حلحلة الصراع بوصفه صراعاً داخلياً.

لكن، وبعد مرور أكثر من عامين زاد حجم الدعم الخارجى بأحدث أنواع الأسلحة، بخلاف الأموال الطائلة، التى دُفعت لحلفاء الإرهابى حميدتى من القوى اليسارية والليبرالية، الذين يتجاهلون المجازر الجماعية، وجرائم الاغتصاب الممنهج وحرب التجويع فى مدينة الفاشر وغيرها من المدن والقرى السودانية، ويدعون أن مشروع حميدتى الإرهابى يسعى لإقامة دولة مدنية علمانية، وهو بالطبع موقف مدفوع الثمن مسبقاً من قِبل داعمى حرب الإبادة فى السودان.

قوام ميليشيا حميدتى فى أغلبها من المرتزقة، سواء من بعض دول الجوار أو من كولومبيا التى كشف تحقيق لصحيفة «الجارديان» أنه تم تجنيد مئات، وربما آلاف المرتزقة الكولومبيين من خلال مكتب صغير لشركة، يقع فى شمال لندن.

لو نجح حميدتى فى هزيمة الجيش السودانى فلن يسلم حكم البلاد للقوى المدنية كما يدعى، وسيكون وكيلاً لاحتلال أجنبى يريد نهب ثروات السودان، وإتمام سيطرته على موانئ البحر الأحمر، وربما تمكين إثيوبيا من السيطرة على سد الروصيرس، خاصة أن الفشقة، حيث يوجد سد النهضة، ووفقاً لتقارير صحفية دولية استقبلت آلاف المرتزقة الذين يستعدون للانضمام إلى ميليشيا حميدتى الإرهابية، وهو ما يُشكل تهديداً للأمن القومى المصرى والسعودى معاً، لتكون الخطوة التالية دعم آبى أحمد لغزو إريتريا للسيطرة على ميناء عصب، ليتمم بذلك حصاره للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد وجوده الفعلى فى موانئ اليمن.

لذلك كله لوّحت الرئاسة المصرية بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة السودان، والتى ينص بندها الأول: (يُعتبر أى اعتداء مسلح يقع على أحد الطرفين اعتداءً على الطرف الآخر، ويتعهد الطرفان بالتشاور الفورى واتخاذ جميع التدابير اللازمة، بما فى ذلك استخدام القوة المسلحة، لرد العدوان وضمان أمن وسلامة أراضيهما).

خلاصة القول: رئاسة الجمهورية تعلنها بملء الفم «هذه خطوط مصر الحمراء، فلا تقربوها».


مواضيع متعلقة