عاجل.. البابا تواضروس الثاني لـ«الوطن»: أريد أن يذكرني التاريخ كشخص حافظ على سلام مصر والكنيسة (حوار)
عاجل.. البابا تواضروس الثاني لـ«الوطن»: أريد أن يذكرني التاريخ كشخص حافظ على سلام مصر والكنيسة (حوار)
- حوار البابا تواضروس مع «الوطن»
- حوار «الوطن» مع البابا تواضروس
- حوار البابا تواضروس
- البابا تواضروس
- الكنيست
- الوطن
أجرى الحوار: مصطفى رحومة ومريم شريف
تصوير: محمد مسعد
حين تقترب من قداسة البابا تواضروس الثانى، تشعر كأنك أمام نهرٍ من الوداعة والحكمة يتدفق من عمق التاريخ، يحمل سلاماً يشعّ من وجهه وصوته الهادئ الذى يشبه ترنيمةً تعبر القلوب. وفى حضرته تتجسد المحبة كما علّمها المسيح، وتغدو الكلمات صلاةً واللقاء قداساً من نور، وكل إجابةٍ تشبه شمعةً تضىء طريق الباحثين عن المعنى فى زمن الضجيج، ولِمَ لا وهو يجمع بين بساطة العالم العارف وثقة من خبر الحياة!.
فقداسته، حاملُ مسئولية كنيسة مارمرقس الرسول، لم يكن يوماً صوتاً طائفياً، بل ضميراً وطنياً يرى فى الوطن نشيداً قديماً، وفى الإنسان قيمةً تستحق الاحترام. يؤمن بالاختلاف نعمةً، وبالحوار جسراً، وبالمحبة خلاصاً، كمن يتلو مزامير داود على نيلٍ عطِش، مردداً فى صمت قلبه: «مبارك شعبى مصر».
وفى ملامحه ظلالُ نورٍ تقول إن الخير هو النهاية، وإن طريق الله والوطن لا يكون إلا عبر المحبة. صوته يشبه النيل؛ هادئَ المجرى، عميقَ الأسرار، كأنه صدىً لأجراسٍ تدقّ للسلام، يحمل ذاكرة الطمى والأمل.
وحين يتحدث عن مصر، تتسع ملامحه كمن يتحدث عن بيته الأول؛ يراها أرضاً تجمع ولا تفرّق، تبنى ولا تهدم، تحب ولا تكره، فهى قلب العالم وذاكرة التاريخ. ويذكّر بأن الإيمان عمل، وأن الوطن بيتٌ يسكنه الجميع بلا جدران، لا يقوم إلا بسواعد تعرف معنى العطاء، وأن الأمل فرضٌ يوميّ لا يسقط بالتقادم.
ذهبنا إليه مهنئين بعيد تجليسه الثالثَ عشرَ على الكرسى المرقسى، فكان اللقاء عبوراً إلى عمق الروح المصرية حيث تتقاطع صلوات الكنائس وأذان المساجد لتهمس: «طوبى لصانعى السلام».
ويمضى الحديث معه كما تمضى أنغام مزامير قديمة فى قدّاسٍ هادئ، تتراقص بين الحكمة والرجاء، وكل كلمةٍ يقولها تحمل رائحة الأرض التى وُلد عليها، وعبق المحبة التى تربّت فى قلبه منذ الطفولة.
فكان حوارنا معه رحلةً نحو الضوء فى دروب الوطن والإنسان والإيمان، مع رجلٍ يحمل رسالة السماء فى قلبٍ عاشقٍ للأرض.
كيف مرت سنوات قداستكم الـ13 فى ظل الظروف المختلفة والأحداث الصاخبة فى العالم؟
- الإنسان المصرى على أرض الوطن يجب أن يكون لديه مبدأ «البلد أولاً فى كل شىء».. فالوطن هو الحياة، وسلام البلد يعنى سلام أهلها.. لذلك، كان المعيار الأولى الذى نظرت له طوال الـ13 عاماً دائماً هو وضع مصلحة مصر فى المقام الأول.. أحياناً ينظر الإنسان للأمور من منظور دينى ضيق، وهذا منظور محترم لكنه خاص، ويختلف عن المنظور العام، لأننا نعيش فى مجتمع كبير ومفتوح.
أما الأزمات التى مرت على البلد، باختلاف أنواعها وحجمها واستمراريتها، فقد كان لها دور فى كشف طبيعة الإنسان: هل يعمل لصالح المجموع أم يعيش لنفسه فقط؟ ومن هذا الفهم كانت مواجهة الأزمات وإدراك قيمتها فى إظهار طبيعة الإنسان.. وبرغم كل التحديات، كانت العناية الإلهية حاضرة، وتجاوزنا الكثير من الصعاب بسلام.
الكنيسة وطنية لا تمارس السياسة.. و«الصلاة من أجل مصر» أساس علاقتنا بأى رئيس
كيف ترى العلاقة بين الكنيسة المصرية والدولة فى الفترة الحالية، وبالأخص خلال فترة تولى الرئيس السيسى؟
- الكنيسة القبطية كنيسة وطنية، وعبارة «كنيسة وطنية» تعنى أنها لا تعرف السياسة ولا تمارسها بأى صورة، ولدينا وصية فى الإنجيل تقول: «أكرموا الجميع، أحبوا الإخوة، خافوا الله، أكرموا الملك»، والمقصود بالملك هنا هو الرئيس أو المسئول الأول، أى احترام المكانة والقيادة.
علاقة الكنيسة بأى رئيس فى أى زمن تكون علاقة طيبة، أساسها الصلاة من أجله ومن أجل البلد، ونشكر الله بعد أن مررنا بسنوات صعبة وشديدة أثرت على كل المصريين وليس الأقباط فقط، نظر الله إلى الدعوات والصلوات المرفوعة من جميع المصريين، وهيَّأ وجود الرئيس عبدالفتاح السيسى والقوات المسلحة والشرطة والشعب كلهم معاً للنظر فى اتجاه واحد نحو صالح الوطن وجعل الأمور تستقر وتتقدم، حتى وإن ظهرت بعض المناوشات والصراعات من الذين نطلق عليهم «النغمة النشاز»، أى الخارجين عن الرؤية العامة.
العلاقة حالياً بين الكنيسة والدولة طيبة جداً، ومبنية على صنع السلام وتلاقى الإرادة، لأن رؤية الرئيس والمسئولين تتجه نحو صالح البلد، وكذلك رؤية الكنيسة، وبما أن هناك توافقاً فى الهدف، فلا يوجد أى تعارض، ولذلك نشكر الله أننا نعيش فى استقرار وأزمنة سلامية.

تتواصل العملية الانتخابية لاختيار مجلس النواب الجديد، كيف ترى المشاركة السياسية فى ظل الظروف الحالية؟
- المشاركة فى الانتخابات واجب وطنى، وكلنا يهمنا وجود مجلس نواب قوى ومجلس شيوخ قوى، لأن قوة هذه المؤسسات تعنى قوة المجتمع نفسه، أما إذا أصبحت أى مؤسسة ضعيفة أو شكلية أو غير فعالة، فهذا يعد «خسارة للبلد».
وجود الانتخابات، سواء عبر القوائم أو الانتخابات الفردية، أمر جيد ويتيح التعددية والاختيار أمام المواطن، وأنا أشجع كل إنسان على أن يكون له دور ويشارك فى الانتخابات من خلال تقديم صوته واختيار الشخص صاحب الكفاءة، الإنسان المناسب، دون النظر إلى عنصر الدين.. فالمهم أن يكون عضو مجلس النواب أو مجلس الشيوخ على درجة عالية من الكفاءة العلمية والأخلاقية والثقافية والمعرفية والوطنية.. فالدين ليس معياراً فى هذا الاختيار، فقد يكون إنسان مسلم يمتلك هذه الصفات أفضل من آخر يفتقدها أو ينقصه الكثير منها.
الدولة تسير فى الطريق الصحيح نحو المواطنة.. وما زال أمامنا خطوات مطلوبة
كيف تقيم أوضاع المواطنة فى مصر فى الوقت الحالى؟ وهل وصلنا إلى حالة الكمال أم نحتاج للمزيد من الخطوات فى هذا الاتجاه؟
- المواطنة ملف كبير ومهم، ونشكر الله أن الدولة المصرية تسير فى الطريق الصحيح فى هذا الاتجاه؛ طريق المساواة والعدل والرؤية المشتركة، وإقرار الحقوق والعدالة، ولقد قطعنا خطوات إيجابية فى هذا المسار، وما زالت أمامنا خطوات أخرى مطلوبة تحتاج إلى استكمال.
هل استطاعت الدولة المصرية تقديم نموذج ناجح فى التعايش الإسلامى المسيحى على مستوى المنطقة؟
- الواقع فى مصر يتجاوز مفهوم «الحوار» لوصف العلاقة بين المصريين، لأننا نعيش معاً يومياً؛ نستخدم نفس الشوارع والمستشفيات والمدارس، ونعانى من نفس المشكلات، ونفرح بنفس القدر فى المناسبات الوطنية الكبرى، كما حدث عند افتتاح المتحف الكبير، حيث لم يكن بالإمكان التفرقة بين مسلم وقبطى فى مشاعر الفرح.
الحوار بين المسلمين والمسيحيين فى مصر قائم بالفعل على مدار الساعة، لأنه جزء من الحياة اليومية، وليس مجرد لقاءات أو جلسات، ففكرة التلاقى موجودة باستمرار، ونراها فى المناسبات الدينية والقومية والوطنية، ولدينا أيضاً تجربة «بيت العائلة» التى تجمع بين الكنيسة والأزهر فى مناقشة القضايا الاجتماعية، وهذا أحد أشكال الحوار المنظم.
ومصر لها خصوصية فريدة فى طبيعة شعبها وترابطه، ويرجع ذلك إلى نهر النيل الذى جمع المصريين عبر العصور حوله، فخلق بينهم حالة دائمة من التلاقى والتواصل، فالمصرى يستمد حياته من النيل، وليس من الماء فقط، ولذلك ظل النيل رمزاً للوحدة والقرب بين الناس، ومن هذه الخصوصية جاءت القدرة على تقديم نموذج عملى للتعايش يمكن أن تستفيد منه المنطقة كلها.
ملف حقوق الإنسان يشهد تقدماً حقيقياً.. وحضور قادة العالم فى افتتاح المتحف الكبير شهادة على مكانة مصر الإنسانية
بالنسبة لملف حقوق الإنسان فى مصر، كيف تُقيِّمون تحركات الدولة، وهل تشعرون بوجود تقدم ملموس؟
- هناك استجابات ملموسة فى ملف حقوق الإنسان فى مصر، فالمجلس القومى لحقوق الإنسان يقوده أشخاص مؤهلون، وتشارك مصر بفاعلية فى مجلس حقوق الإنسان الدولى، كما تشارك فى الأنشطة الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
وعلى المستوى المحلى، هناك متابعة لحماية الأطفال، بما فى ذلك متابعة انتهاك خصوصيتهم، ويتدخل المجلس القومى للطفولة والأمومة فى القضايا المهمة، وكذلك المجلس القومى للمرأة، كما أن هناك خطوات ملموسة من الدولة، مثل تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسى بالعفو عن بعض المسجونين فى عدة مناسبات قومية، ما يُظهر حركة واضحة وفعَّالة فى هذا الاتجاه.
كما حصل المجلس القومى لحقوق الإنسان مؤخراً على التصنيف (A) من التحالف العالمى للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وهو أعلى تصنيف يمنحه التحالف، ما يؤكد استقلالية المجلس وقدرته على أداء مهامه وفقاً للمعايير الدولية. وأخيراً، يُعد حضور نحو 60 إلى 80 رئيس دولة وملك وأمير فى افتتاح المتحف المصرى الكبير شهادة على احترام مصر لحقوق الإنسان ومكانتها الإنسانية، وكل هذه المؤشرات تعكس تقدماً ملموساً فى هذا الملف.

الأمل حاضر دائماً فى تاريخ مصر التى تتقدم وتؤثر إقليمياً ودولياً رغم التحديات
من المنظور الشخصى، ما أكثر شىء قد يزعجك فى المشهد الوطنى، وما أكثر شىء يمنحك الأمل؟
- أكثر ما يزعجنى فى المشهد العام هو الظلم بمختلف أشكاله، سواء على المستوى الفردى أو الجماعى، والفقر أحد أبرز تجلياته، فعندما تجد أسرة غير قادرة على إعالة أبنائها، يبقى الظلم كلمة ثقيلة، لذلك، تعمل الدولة المصرية ومواطنيها على محاربته لتحقيق حياة كريمة لكل المواطنين.
أما الأمل فهو موجود دائماً، لأن التاريخ المصرى يعلمنا الأمل، فمصر منذ أيام «محمد على» وحتى اليوم اجتازت أكثر من مائتى عام مليئة بالتحديات، وبقيت دولة قائمة، تنمو وتتقدم، ولها دور مؤثر فى المجتمع الإقليمى والدولى.
كيف ترون حرب الشائعات التى تتعرَّض لها الدولة والكنيسة؟ وهل هناك أطراف تغذيها من وجهة نظركم؟
- هناك تعبير لطيف يقول: «من فضلة القلب يتكلم اللسان»، ومعناه أنه لو كان قلب الإنسان فاسداً، تخرج منه أفعال فاسدة وكلام فاسد، ولو كان قلبه نقياً تخرج منه نقاوة، فكل هؤلاء الذين ينشرون شائعات وأكاذيب مغرضة يمثلون حروب الجيل الرابع والجيل الخامس، لأنها تنشأ من قلوب خبيثة مليئة بالشر، وهناك آية فى العهد القديم تقول: «ويلٌ للقائلينَ للشرِّ خيراً وللخيرِ شراً، الجاعلينَ الظلامَ نوراً والنورَ ظلاماً، الجاعلينَ المرَّ حُلواً والحُلو مُراً» (إش 5: 20)، أى أن هناك مَن فكرهم ومشاعرهم تجعلهم يعكسون الحق باطلاً والباطل حقاً.
الوعى والثقة أمران مهمان جداً، فبناء الثقة مسئولية كل شخص مهما كانت مسئوليته صغيرة أو كبيرة، وهى تأتى بالاحترام، إذا كان الإنسان صادقاً فى كلامه، يُحترم ويُقدَّر، أما الإنسان الغامض الذى كلامه متناقض أو متقلب من هنا إلى هناك، فهذا يهز ثقة المواطن ويؤثر على المجتمع.

الخطاب الدينى يحتاج إلى تجديد مستمر لمواكبة العصر وضمان وصول الرسالة لكل جيل
هل ترون أن الخطاب الدينى الحالى يواكب احتياجات المجتمع المصرى؟ أم يحتاج إلى تجديد؟ وما دور الكنيسة فى مكافحة التطرف الفكرى والدينى فى المجتمع؟
- الخطاب الدينى يعنى الوسائل التربوية والتعليمية الموجودة فى المؤسسة الدينية والتى لها دور واضح فى التوجيه والتربية والتعليم، وليس المقصود به دور وزارة التربية والتعليم، وبهذا الدور يجب أن يكون هذا الخطاب متجدداً ومتطوراً باستمرار ليواكب العصر ويصل بفاعلية إلى المتلقين، مع تجديد أساليب المخاطبة والتعليم بشكل يومى، فكل جيل يحتاج إلى أسلوب مختلف يناسب زمنه وظروفه، وهو ما يجعل عملية التجديد والتعليم عملية مستمرة ويومية.
فمثلاً، فى نطاق الكنيسة لدينا منهج سنوى للإنجيل يُسمى «قطمارس»، وهى كلمة يونانية تعنى كتاب القراءات الكنسية بحسب الأيام، وينظم هذا المنهج قراءة الإنجيل يومياً ويحدد نظام القراءات لكل أيام الأسبوع، كما ينظم تقديم المعلومات والفكر الدينى بطريقة منهجية. بالإضافة إلى ذلك، هناك المناهج التعليمية فى مدارس الأحد، التى تُراجَع وتُطوَّر كل خمس سنوات، مع إدخال وسائل جديدة ودروس تتناسب مع المستجدات، بحيث يتم توعية الأطفال بموضوعات الساعة، مثل «المثلية»، أو زيادة الدروس عن مصر لتصبح أكثر من درس واحد فى السنة، وهذا التطوير المستمر يضمن أن الخطاب الدينى يواكب جميع الأجيال ويعزز الوعى.
البابا: الدين أسمى من أن يُستغل ذريعة للحروب.. والوعى ضرورة لتصحيح المفاهيم
بالحديث عن الخطاب الدينى، خلال الحرب على غزة، تم استغلال الدين لتبرير القتل والتدمير والترويج لمصطلحات دينية تًخفى وراءها الأطماع البشرية، كما هو الحال مع ما يُسمى «إسرائيل الكبرى» و«الصهيونية المسيحية» و«شعب الله المختار»، مستشهدين بآيات من العهد القديم، والترويج لتلك الأفكار والمصطلحات ما يمثل تحدياً لإطار الدين، كيف ترون ذلك، خاصة أنه سبق أن تصدى البابا الراحل شنودة الثالث لذلك فى محاضرته الشهيرة بنقابة الصحفيين عام 1971 التى حملت عنوان «إسرائيل والأديان السماوية»؟
- محاولات استخدام الدين كذريعة للحروب والصراعات أمر غير مقبول، فالدين أسمى من أن يُستغل بهذه الطريقة، أولاً، «خسارة» أن نربط كلمة الدين بالحرب، فالدين أسمى من أن يُرفق بأى نوع من الحروب، من القرن الأول الميلادى خاطب سيد المسيح مدينة أورشليم، المعروفة بأنها مدينة السلام، لكنها لم تعرف السلام عبر تاريخها إلا نحو 30 سنة فقط، على مدار ثلاثة آلاف سنة تعيش فى حرب، فقبل الصلب وقف المسيح وخاطب هذه المدينة قائلاً: «يا أورشليمُ، يا أورشليمُ! يا قاتلةَ الأنبياءِ وراجمةَ المرسلينَ إليها، كم مرةٍ أردتُ أنْ أجمَعَ أولادَكِ كما تجمعُ الدجاجةُ فِراخَها تحتَ جناحَيْها، ولمْ تُريدوا! هُوَذا بيتُكم يُترَكُ لَكُمْ خراباً!».
والبيت هو الهيكل والذى هو عند اليهود مكانهم المقدس الوحيد، بينما الأماكن الأخرى التى يعبدون فيها تُسمى المجامع، هذا الهيكل، الذى أشار إليه المسيح عندما قال «هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَاباً» دُمِّر عام 70 ميلادية على يد القائد الرومانى تيتوس، حيث دخل الرومان الهيكل بالأحصنة، وذُبحت فيه خنازير، ودُنست مخطوطاتهم، وكتب صلواتهم حُرقت، وما زال خرباً حتى اليوم.
أى ربط بين الدين والحروب هو إساءة لجوهر الدين، ومحاضرة البابا شنودة الثالث الشهيرة فى نقابة الصحفيين كانت شاملة للتاريخ وموضحة لهذا الشأن، ولا نملك أمام ذلك غير التوعية وتقديم معلومات دقيقة وموثوقة، وإقناع الناس بالأدلة التاريخية، وللإعلام دور كبير فى هذا السياق.
مصر حمت الفلسطينيين ورفضت التهجير القسرى.. وصلابة موقفها شكَّلت خطاً أحمر وأسفرت عن اتفاق سلام شرم الشيخ
وبما أننا نتحدث عن غزة، كيف تقيِّمون دور مصر التاريخى فى حماية الفلسطينيين ومنع التهجير، وجهودها الراهنة فى دعم السلام، خاصة فى ضوء اتفاقية شرم الشيخ الأخيرة؟
- مصر لعبت دوراً تاريخياً بارزاً فى حماية الفلسطينيين ومنع أى شكل من أشكال التهجير القسرى، فالأفكار التى يطرحها البعض لتقسيم الأرض أو التوسع على حساب السكان الأصليين تشكل شكلاً من أشكال الظلم، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق.
فى مواجهة هذه التحديات، كانت وقفة مصر بقيادة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى وقفة واضحة وصارمة، مؤكدة أن أى محاولة لتهجير الفلسطينيين تشكل خطاً أحمر، وهذه الصلابة المصرية ومحاولات الدفاع المستمرة عن حقوق الشعب الفلسطينى أسفرت عن التوصل إلى اتفاق السلام الذى عُقد على أرض مصر فى مدينة شرم الشيخ، بحضور عدد كبير من قادة العالم، والذى ضمن عدم حدوث أى تهجير قسرى، مع السماح لمن يرغب بالمغادرة أن يفعل ذلك بإرادته الحرة.
مؤخراً تم الترويج لفكرة توحيد الديانات الإبراهيمية فى دين واحد، فما رأى قداستكم فى ذلك؟
- الأديان تتوافق لكنها لا تتطابق، فلكل دين خصوصياته التى يجب احترامها، وإن قلنا هذا عن الأديان التى تسمى الإبراهيمية أو الأديان السماوية أو الأديان الموحدة بالله فهذا أيضاً ينطبق على الأديان الوضعية والوثنية الموجودة فى العالم.
فكرة توحيد الديانات تحت مسمى واحد غير عملية وغير مقبولة، لأنها تتجاهل الفروق الجوهرية بين العقائد. أحياناً، من يتحدثون عن هذا الأمر لا يدركون قيمة الدين عند الإنسان الشرقى، فالشرق، وهو قلب العالم، شهد ظهور الأديان والفلسفات والفنون والشعر، ولذلك يُسمَّى الشرق بـ«المعبدالكبير»، وفى المقابل الغرب، الذى نشأت فيه النظريات والاكتشافات، يُعرف بـ«عقل العالم ومعمله الكبير»، لكل جهة وظيفتها، والمقاربة البسيطة لتوحيد الأديان بهذه الطريقة لا تتوافق مع الواقع وغير مقبولة.

البابا: احتفالات مجمع نيقية تبرز مكانة مصر التاريخية والدينية وتسلط الضوء على دور الكنيسة القبطية عالمياً فى تعزيز الحوار وصون العقيدة
أقامت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بمناسبة الذكرى الـ1700 لمجمع نيقية احتفالات على المستوى العالمى والإقليمى والمحلى، فما الرسالة التى أرادت الكنيسة إيصالها من خلال هذا الزخم الروحى والعلمى؟
- الاحتفالات لم تقتصر على كنيسة مصر فقط، بل شملت الكنائس فى مختلف أنحاء العالم، حيث عُقد يوم 28 نوفمبر احتفال كبير بحضور البابا ليون الرابع عشر، بابا روما، والبطريرك المسكونى فى تركيا، إلا أننى لم أتمكن من الحضور لأسباب ظرفية.
أما مجمع نيقية، الذى عُقد عام 325م فى مدينة نيقية بتركيا، فقد كان أول مجمع مسكونى يجمع 318 أسقفاً لمناقشة مسألة هرطقة «آريوس»، وقد كانت الدعوة لهذا المجمع من البابا ألكسندروس، البطريرك التاسع عشر للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وبمشاركة الإمبراطور قسطنطين، إذ كانت الكنائس فى العالم واحدة تحت مسمى «كنيسة المسيح»، وعندما ظهرت مشكلة «آريوس»، التى هددت سلام الكنيسة وسلام الإمبراطورية، تدخل الإمبراطور والكنيسة لمعالجتها.
و«آريوس»، هو كاهن ليبى درس فى أنطاكية ثم انتقل إلى الإسكندرية، ونشر خلال تعليمه للمسيحيين بعض التعاليم الخاطئة، ما يُعرف على المستوى الكنسى بـ«السجس»، وقد تسبب ذلك فى حالة من الانزعاج أدت إلى الدعوة لانعقاد المجمع على مدار شهر، وخلاله تم حرمان «آريوس» واستبعاده من المسيحية، كما صدر عن المجمع 20 قانوناً تُعرف بـ«قوانين مجمع نيقية»، وما زالت هذه القوانين ملزمة حتى اليوم فى الكنيسة، مثل تحديد نطاق الإيبراشيات ومسئولية الأسقف عنها.
وجاء احتفالنا بالذكرى الـ1700 لانعقاد مجمع نيقية لتأكيد فكر الوحدانية، وتثبيت فكر الإيمان، وتطبيق القوانين الصادرة عن المجمع.
من جانبه، يمثل مؤتمر مجلس الكنائس العالمى، الذى أُقيم لأول مرة على أرض مصر بمشاركة نحو 500 شخص من 100 دولة، أحد أهم الاحتفالات التى نظمتها الكنيسة فى هذه المناسبة، فقد كان حدثاً عالمياً ضم كنائس لم يُعرف عنها الكثير خارج بلدانها الأصلية.
وتضمن المؤتمر جزءين رئيسيين: جزء دراسى وجزء أكاديمى، امتد على نحو ثلاثة أسابيع تقريباً، فيما استمرت الفعاليات الرئيسية لمدة 5 إلى 6 أيام فى أواخر أكتوبر الماضى، وضمّت فعاليات دينية وثقافية، مع زيارة الوفود لمواقع أثرية وسياحية فى وادى النطرون.
ما الذى تريدون أن يتذكره التاريخ عن احتفالات مرور 1700 عام على مجمع نيقية؟
- الهدف هو توجيه أنظار العالم إلى مكانة مصر السياحية والتاريخية والدينية، فقد كان اسم مصر حاضراً فى كل دول العالم، سواء من الناحية السياحية أو التاريخية، وبرزت كنيسة مصر، الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فى هذا الحدث العالمى، حيث استضافت هذا المؤتمر لأول مرة منذ بداية انعقاده منذ أكثر من مائة سنة، إذ كانت تقام تلك المؤتمرات السابقة فى أوروبا وكندا.
كما أرادت الكنيسة أن يتذكر العالم فكر الوحدانية، وأهمية الحوار فى معالجة المشكلات، إلى جانب توضيح فكرة التلمذة، حيث شهد المجمع حضور البابا ألكسندروس وتلميذه أثناسيوس، الذى أصبح فيما بعد البطريرك الـ20 للكنيسة بعد 30 سنة، ما يعكس دور الكنيسة المصرية فى صون العقيدة عبر العصور وتعليم الأجيال.
تواضروس: الكنيسة القبطية.. أرثوذكسية راسخة تحرس تقليد نيقية حتى اليوم
لماذا تعتبرون أن الكنيسة القبطية هى «حارسة تقليد نيقية» أكثر من غيرها؟
- تُحافظ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على تاريخها؛ لأنها تحمى الإيمان المستقيم الذى سُلِّم إلينا منذ زمن السيد المسيح عبر التلاميذ والقديسين، ويأتى الاحتفال بالذكرى الـ1700 لمجمع نيقية لتأكيد وحدة الإيمان وممارسته بشكل صحيح، وتُعد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية «حارسة تقليد نيقية» لأنها تحتفظ بالإيمان المستقيم، الذى تسلّمته من القديس مارمرقس، كاروز الديار المصرية، حتى اليوم، وما زالت تحافظ عليه.
ويُعد مجمع نيقية أول مجمع مسكونى فى تاريخ الكنيسة، حيث عُقد لمواجهة الانحراف العقائدى الذى ظهر فى القرن الرابع الميلادى فى الإسكندرية، عندما نشر أحد الأفراد أفكاراً مخالفة للإيمان، وكأنها أشعارٌ متقنة، فاجتمع المجمع لاتخاذ القرارات اللازمة، ولم يقتصر دوره على معالجة هذه القضية فحسب، بل وضع قوانين أساسية للكنيسة، منها تحديد عيد القيامة، وأوكل لبابا الإسكندرية مهمة تحديده؛ لامتلاكه علماء فلك قادرين على ضبطه، واستمرّ موعِد الاحتفال بعيد القيامة موحَّداً عند جميع الكنائس فى العالم، طبقاً لهذا الحساب القبطى، حتى عام 1582م؛ حين أدخل البابا جريجوريوس الثالث عشر، بابا روما، تعديلاً على التقويم، فاختلف موعد الاحتفال، لكن ما زلنا فى الشرق نحتفل فى نفس الموعد معاً، كما وضع المجمع تنظيماً للإيبراشيات، وتولى الأساقفة مسئوليات كاملة مع الالتزام بعدم الزواج، لتوسيع نطاق خدماتهم ومسئولياتهم، وما زالت الكنيسة حتى اليوم تسير على هذه القوانين.
البابا: لو حضرت مجمع نيقية لرفضت رسامة المرأة كاهنة احتراماً للناموس الطبيعى وتكامل الأدوار.. ولا يمكن مساواتها بالرجل فى كل المهام الدينية التقليدية
لو كنت قداستكم حاضراً فى مجمع نيقية عام 325، ما القضية التى كنت ستحرص على طرحها؟
- لم يكن هناك فى ذلك العصر أهم من محاربة بدعة «آريوس»، ولذلك اجتمعت كنائس العالم لمناقشتها، حيث كتب البابا ألكسندروس، البطريرك التاسع عشر لكنيسة الإسكندرية، إلى الملك قسطنطين الكبير، يطلب منه عقد مجمع مسكونى للبت فى هذه البدعة، فوافق «قسطنطين» على عقد المجمع، وأرسل منشوراً لجميع الأساقفة فى المملكة لاستدعائهم إلى مدينة نيقية، فحضر 318 أسقفاً من مختلف أنحاء العالم المسيحى.

اجعلنا نعيد طرح السؤال بصيغة أخرى، ما القضية التى كنت ستأخذها من العصر الحالى لتطرحها فى مجمع نيقية على الأساقفة المجتمعين عام 325 ميلادية؟
- لو كنت حاضراً فى مجمع نيقية عام 325 ميلادية، فإن القضية التى كنت سأطرحها من العصر الحالى هى مسألة رسامة المرأة كاهنة، فهذا أمر مرفوض تماماً فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لأنه عندما جاء السيد المسيح اختار أن يولد من أمنا العذراء مريم، وإذا أردنا أن نضع نحن كرجال أو سيدات من يمثلنا، فهى أمنا العذراء مريم، لكن السيد المسيح عندما اختار تلاميذه فقد اختار 12 تلميذاً، وفهمهم مفاهيم الإيمان والخدمة، ليكونوا هم الخدام.
لقد كرّم السيد المسيح أمنا العذراء وكل السيدات، والإنجيل يذكر أن «الرجل رأس المرأة»، ومعنى كلمة «رأس» هنا القائد، وعندما خلق الله الإنسان، خلق آدم أولاً ثم حواء، ومن ثم احترام الناموس الطبيعى الذى وضعه الله واجب على كل إنسان.
فى القداس يقف الأب الكاهن ليصلى، فلكل شخص دوره الواضح الذى وضعه الله له، ومحاولة إدخال المساواة الاجتماعية بين الرجل والمرأة فى الكنيسة غير مقبول فى هذه الناحية، حيث لا تنسجم مع الرؤية الدينية التى تقدّر الاختلاف وتراه تكاملاً، فالكنيسة لا تقلّل من قيمة المرأة، لكنها تميّز بين القيمة والدور، فلكل منهما رسالته التى تكمل الأخرى فى إطار إلهى منظم وواضح.
بناءً على تلك الرؤية، ما دور المرأة فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وكيف تكمل أدوارها دور الرجل فى بناء الكنيسة وخدمة المجتمع؟
- المرأة فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية جزء أساسى وحيوى فى بناء الكنيسة وخدمة المجتمع، فهى قلب الكنيسة وروحها المتجددة، ودورها يتجاوز الحدود التقليدية، والمرأة مساوية للرجل فى المسيح، لكنها مختلفة فى الأدوار، كما فى تشبيه جسد الإنسان: القلب والمعدة، يقوم كل منهما بدور مختلف يكمل الآخر، ولا يمكن لكل منهما أن يحل محل الآخر، ومهامها تشمل التعليم فى مدارس الأحد، والمشاركة فى مجالس الكنائس، والخدمة الاجتماعية والخيرية مثل زيارة الأرامل والمحتاجين، والمساهمة فى الفنون الكنسية مثل الأيقونات والتراتيل.
الأدوار التى تقوم بها المرأة فى الكنيسة تكمل دور الرجل، وتشمل الالتزام بالمهام التى تحددها التعاليم، بعيداً عن أى محاولات لمساواتها بالرجل فى كل المهام الدينية التقليدية، فالمرأة تعمل بروح المشاركة والإبداع، وتسهم فى بناء الكنيسة ونشر الفضيلة والمحبة والخدمة داخل المجتمع الكنسى والاجتماعى.
البابا: المجمع المقدس يقود الكنيسة ويهتم بالدور المجتمعى.. ونسعى لجمع الكنائس الأرثوذكسية عالمياً فى مصر لأول مرة
هل تعتقد أن الكنيسة بحاجة إلى «مجمع نيقية جديد» لمواجهة تحديات القرن الحالى مثل الذكاء الاصطناعى والعولمة؟
- عندما كبرت الكنيسة وانتشرت فى العالم، أصبح لكل كنيسة مجمع خاص بها يدير شئونها، ففى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوجد المجمع المقدس الذى يضم 139 عضواً من المطارنة والأساقفة، وهو الهيئة التشريعية الرسمية للكنيسة ويرأسه البابا، ولا ينعقد إلا بوجوده، ووفق لائحة قانونية واضحة، وهذا المجمع يناقش موضوعات روحية ومجتمعية عديدة، ومنها مثلاً مناقشة «الدور المجتمعى للكنيسة» على مدار ثلاثة أيام، وانتهى مؤخراً إلى توصيات مهمة مثل دعم إنشاء المدارس والمراكز الصحية والمراكز المهنية لخدمة المجتمع بشكل عملى، وعلى المستوى العالمى، توجد تجمعات كنسية كثيرة مثل مجلس الكنائس العالمى، الذى يضم الكنائس الأرثوذكسية، بينما الكنيسة الكاثوليكية تُشارك بصفة مراقب فقط.

ونسعى حالياً إلى جمع الكنائس الأرثوذكسية فى لقاء واحد يجمع البطاركة لأول مرة، وهى خطوة تحتاج إلى وقت وترتيبات كثيرة، ونصلى أن تتحقق على أرض مصر، وقد طرحت هذا الأمر فى اجتماع الجزء الأرثوذكسى داخل مجلس الكنائس العالمى، وقلت إننا نرغب فى جمع الآباء البطاركة فى اجتماع واحد لأول مرة، والوصول إلى ذلك يحتاج إلى وقت، لكنه مطروح للتفكير والنقاش فى إطار التحديات الجديدة التى يواجهها العالم.
البابا: بناءً على عنوان مؤتمر مجلس الكنائس العالمى الأخير، ما رؤيتكم للوحدة المسيحية اليوم؟ وهل هناك عقبات فيها؟
- ما بين كنائس العالم يوجد مستويان:
المستوى الأول: يُسمّى مستوى العلاقات، وهو إقامة علاقات مع جميع كنائس العالم، وهذه العلاقات مبنية على المحبة؛ الكنيسة تتقابل مع الكنيسة الأخرى، تزورها، ونتبادل الخبرات على سبيل المثال، استقبلنا بطريرك الهند خلال شهر نوفمبر، وكانت هذه أول زيارة له إلى مصر، من جانبه، دعانى لزيارة الهند، وفى وقت ما سأزور الهند. هذا النوع من العلاقات هو أساس التواصل، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية لها علاقات جيدة مع كل كنيسة فى العالم بدون استثناء.
المستوى الثانى: يُسمّى مستوى الحوارات، وهو المستوى الأعلى، وهذه الحوارات عبارة عن لجنة من كل كنيسة تجلس معاً لمناقشة الأمور الخلافية بين الكنائس، على سبيل المثال، لدينا لجنة حوار مع الكنيسة الكاثوليكية منذ 20 سنة، ونجتمع فى الأسبوع الأخير من يناير كل سنة، ليس مع الأقباط فقط، بل مع كل كنائس إخوتنا، فالأقباط لهم خمس أخوات: السريان، الأرمن، الإثيوبيون، الإريتريون، الهنود، ونحن سادسهم، ونُسمّى الكنائس الشرقية القديمة، ونشكّل معاً لجنة يرأسها أسقف قبطى، تقوم بالنقاش مع لجنة من الكاثوليك، ويتم هذا كل سنة، وتضع كل لجنة عنواناً للسنة التالية، وعلى سبيل المثال، سنتناقش خلال يناير 2026 فى نظرتنا للقديسة مريم العذراء؛ حيث ستقدّم الكنيسة الكاثوليكية ورقاً، ونقدّم نحن الأرثوذكس ورقاً، ونتبادل الأسئلة والأجوبة معهم، وهذه الحوارات هى من أجل الوحدة.
إذاً، المستوى الأول هو العلاقات، والمستوى الثانى هو الحوارات، وتتم الحوارات على شكل لقاءات ثنائية بين الكنائس، مثل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الروسية أو الكنيسة البيزنطية، وعندما تكتمل هذه الحوارات وتنتهى، يمكن أن نصل إلى الوحدة الكاملة.
البابا: بدأنا ترتيب البيت الكنسي من الداخل منذ 13 عامًا ولم ننجز سوى 6%.. ونسير نحو عمل مؤسسي واضح برؤية متكاملة
أعلنتم فور جلوسكم على الكرسى البابوى عام 2012 أن أول أهدافكم هو تنظيم البيت الكنسى من الداخل. اليوم، هل تحقق الأمر؟
ترتيب البيت الكنسى من الداخل بدأناه منذ 13 سنة، ورَتَّبنا نحو 5 - 6% وما زال أمامنا الكثير، والترتيب يعنى العمل فى الكنيسة، ويتم من خلال أن يكون فى الكنيسة عمل مؤسسى واضح، فأصدرنا لوائح عمل فى الكنيسة، وأنشأنا معهداً اسمه «معهد التدبير الكنسى والتنمية»، وكلمة «تدبير» هى كلمة كتابية فى الكتاب المقدس، المقابلة لكلمة «إدارة - administration»، ولدينا دورات تدريب كثيرة للآباء الكهنة والأساقفة والخدام والرهبان، ونسير فى الخطوات، لكن الصورة الكاملة لم تظهر بعد، وبالتأكيد ما زال الكثير من العمل لتكتمل الصورة فى الترتيب.
البابا تواضروس: الكنيسة ثابتة مثل الجبل ولا تهتزّ بإشاعة وتقاليدها وُضعت منذ ألفي عام ومن يريد تغييرها يحتاج ألفي عام مثلها
كيف توازن الكنيسة القبطية بين الحفاظ على تراثها الممتد لأكثر من ألفى عام وبين الانفتاح على الحوار العالمى؟ وكيف تحافظ على هويتها الأرثوذكسية رغم الانتشار الواسع فى المهجر؟
- كل من يتكلم، فإنه يتكلم عن غير وعى، فكنيستنا، الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كنيسة مثل الجبل؛ لها تاريخ وتراث وتقاليد ثابتة لا يؤثر عليها أحد، بل هى التى أثرت وتؤثر وتعلم أتعجب ممن يخافون على الكنيسة، «كنيستنا مثل الجبل، وهى كنيسة معلمة، كنيسة الشهداء التى حفظت إيمانها»، ويكفى أنها عاشت حتى اليوم كما كانت فى القرن الأول الميلادى.
فالتقاليد عندنا راسخة ومستقرة؛ فمثلاً، ما زال أسبوع الآلام يصلى قبل عيد القيامة بالصلوات نفسها، وما زلنا نصلى عشر ساعات كما كانت الحال فى الماضى تماماً، وفى يوم الجمعة الكبيرة قد نجلس 10 - 12 ساعة أو أكثر فى صلوات متواصلة، ويكون الزحام فى الكنائس فوق الوصف.
وهذا كله مستقر داخل الكنيسة؛ بمعنى أننى ما زلت أقول لمن يخدمنى يا «أبونا»، ومستقرٌ أيضاً أن الكاهن يجب أن يزورنى فى البيت كنوع من «الافتقاد»، هذه كلها تقاليد حية فى داخلنا، ونحن ككنيسة لا نخاف، لأن كنيستنا تحمل تقاليد وضعت قبل ألفى عام، ومن يريد أن يغيرها يحتاج ألفى عام مثلها، وبالتالى لا يوجد تغيير فى الكنيسة، ومن يقول غير ذلك مجرد إشاعات فقط، فكل الآباء والمسئولين لديهم ضمير، وقد سلموا هذه التقاليد من الأجيال الذين سبقونا، ونحن نسلمها لمن بعدنا.
إن جوهر الإيمان والتقليد الكنسى ثابت لا يتغير، لكن طرق التقديم أو التعبير قد تتطور مع الزمن، فمثلاً، الإنسان إذا عطش يمكن تقديم الماء له فى «قلة» أو «زير» أو زجاجة من الثلاجة أو كوب عادى أو كأس ماء بارد؛ تختلف الأوعية لكن الماء واحد، فالتطوير بالنسبة للكنيسة هو تغيير فى الشكل، وليس فى الجوهر، فالإيمان والتقاليد المستقرة الممتدة منذ قرون تظل كما هى، بينما تتجدد الوسائل التى تقدَم بها لتناسب العصر دون أن تمس الثوابت.
البابا: التطوير بالنسبة لنا هو تغيير في الشكل وليس الجوهر.. وبابي مفتوح دائمًا لمن يريد أن يفهم أو يناقش
هل تواجهون مقاومة داخلية عند إدخال أى تجديدات تنظيمية أو أسلوبية داخل الكنيسة؟ وكيف تتعاملون مع الاعتراضات أو الانتقادات، سواء من بعض الجماعات الكنسية الموجودة على وسائل التواصل الاجتماعى؟ وهل أثرت هذه الحالة على قرارات البابا؟
لكل من لديه اعتراض أو انتقاد لأى شىء فى الكنيسة أتمنى أن تقولوا لهم: «تعالوا اقعدوا مع البابا، هو يشرح لكم ويناقش المخاوف التى عندكم علشان يشيلها منكم»، وقتى ضيق جداً، لكن بابى مفتوح دائماً، ومن يحب أن يتكلم فليتفضل، فكل من يريد عرض فكرة أو رؤية أبوابنا مفتوحة.
أما عن اتخاذ القرارات، فنحن نأخذ القرارات فى الكنيسة من خلال المرور بالخطوات التالية: أفكر جيداً، وأصلى جيداً، وأستشير جيداً، وأعطى وقتاً كافياً، ثم نأخذ القرار.
لماذا لا يتخذ قداسة البابا إجراءات ضد مَن ينشرون القلاقل فى الوسط الكنسى رغم صلاحيات قداستكم الكبيرة؟
- الكنيسة تؤمن بأن الله هو الذى يدير الحياة، فهو ضابط الكل، لذلك يتم التعامل مع من يثيرون المشكلات من خلال نشر الحقائق وتوضيح الأمور لهم وزيادة وعيهم، دون الدخول فى صدام معهم، فليس لدينا وقت للتركيز على السلبيات؛ إذ يكون التركيز دائماً على الجوانب الإيجابية، مع الصلاة لهم بأن يمنحهم الله فهماً صحيحاً، فهذا النوع من الأشخاص يرى الصورة بالمقلوب، وهذا ليس على مستوى الكنيسة فقط، بل على مستوى العالم أيضاً، وهو موجود فى كل البشر وكل الأجيال وفى كل الأزمنة، لذلك لا داعى للقلق.
ضبط التعليم الكنسي عبر مجلس متخصص.. والكنيسة تعيش دائما بين التعليم والتكريس
ما رؤية قداسة البابا تواضروس لتطوير التعليم الكنسى والكليات الإكليريكية؟
- الكنيسة تعيش فى كل زمن من خلال قدمين: قدم التعليم وقدم التكريس.
التكريس يعنى أن النفس تتكرس وتخصص كل وقتها لخدمة الكنيسة وخدمة الله، وأنا شخصياً تخرجت فى كليتى وعملت فترة، وبعد ذلك دخلت الدير وكرست نفسى، ثم صرت راهباً، وبعدها أعطيت الكهنوت وأصبحت كاهناً، ثم أسقفاً، وفى النهاية وصلت إلى البطريركية.
هذا التكريس هو إحدى علامات نجاح الكنيسة، حيث يوجد مكرّسون سواء من الذكور أو الإناث، والبنات يتكرسن إما كراهبات أو كمكرسات خادمات داخل الكنيسة، وزوجة الكاهن مكرسة أيضاً بالتبعية.
أما التعليم، فقد كثرت منابره فى هذا العصر، وأصبح كل شخص يريد أن يعبر عن رأيه أو أفكاره، لذلك قررنا ضبط العملية التعليمية من خلال مجلس سنشكله ليسمى مجلس التعليم الكنسى، ويكون نصف أعضائه من الإكليروس، مثل الأساقفة والكهنة والرهبان، والنصف الآخر من العلمانيين جميعهم حاملون لشهادات دكتوراه.
«تواضروس»: زمن الإعانات المادية لن ينتهي.. وبدأنا تمويل مشروعات صغيرة بالتوازي مع جهود الدولة لدعم الأسر
إذا ذهبنا إلى الدور المجتمعى، هل انتهى زمن الإعانات المادية وحان وقت تحويل المحتاجين إلى طاقات منتجة عبر التعليم والمشروعات الصغيرة؟ وما جهود الكنيسة فى ذلك الاتجاه؟
- زمن الإعانات المادية لن ينتهى، ولكن الكنيسة ترى أن المشروعات الصغيرة هى المفتاح للتنمية، فقد بدأنا بالفعل فى فتح مجال هذه المشروعات، بالتوازى مع جهود الدولة المصرية، بحيث يقدم كل شخص فكرة مشروع، وتقوم الكنيسة بدعمها وتنمية إمكانياتها بشكل محدود، فالمشروعات الصغيرة التى تمولها الكنيسة عادةً ما تكون برأس مال من 5000 إلى 10000 جنيه، بينما الدولة تستطيع تقديم أرقام أكبر تصل إلى الملايين. ولكن على مستوى الأسرة، تعتبر هذه المشروعات ناجحة ومفيدة ومهمة جداً. ومع ذلك، يبقى الدعم فى مجالات أخرى، مثل التعليم والعلاج، ضرورياً، خاصة مع ارتفاع أسعار الدواء وتكاليف العلاج.
كيف تنظر الكنيسة لقضية الوعى الأسرى ومواجهة التفكك الأسرى؟
- لدينا برامج تسمى برامج الإعداد للزواج أو برامج المخطوبين، يجتمع فيها الشاب والشابة ويحضرون محاضرات وورش عمل ومناقشات على سبيل المثال، أحياناً بعد عدة أشهر من البرنامج يكتشف الطرفان أن أسلوب حياتهم غير متوافق، فينهون خطوبتهم فى سلام، هذا المستوى الأول يتعلق بالأسر الحديثة قبل الزواج.
أما المستوى الثانى فهو متابعة الأسر بعد الزواج، سواء كانت حديثة أو لديها أطفال كبار، ومنذ ثلاث سنوات أطلقنا مشروع «أسرتى مقدسة»، وركزنا فيه على التوعية بأسس الأسرة الصحيحة، وأنا شخصياً قضيت سنة كاملة أقدم محاضرات حول هذا المشروع، بحيث نخدم الناس بالتوعية سواء كانت الأسرة صغيرة أو لديهم أولاد كبار.
بالإضافة إلى ذلك، دائماً نقول للشباب إن الاختيار خطوة مهمة ويجب أن يكون صحيحاً، ونذكرهم بعبارة مهمة: «الاختيار حرية ومسئولية»، أى أن يختاروا صح ويتحملوا مسئولية اختيارهم، ونؤكد عليهم أيضاً أنه عند اختيار الشريك، يجب أن يختاروا أباً صالحاً أو أماً صالحة لأولادهم فى المستقبل، وليس فقط للموقف الحالى كما نشرح الطقس الكنسى للزواج والإكليل، فالحديث فى مجال الأسرة واسع ومهم جداً، ونحن دائماً نسعى لخدمته.
البابا: التكنولوجيا لا تقدّم الحب الحقيقي للإنسان.. والسوشيال ميديا مثل الرخام بلا روح وتأثيرها محدود على وعي الشباب مقارنة بالتجربة الحية داخل الكنيسة
هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى منافساً للكنيسة فى التأثير على وعى الشباب؟
- كل ما تصنعه التكنولوجيا الحديثة، مهما كانت متطورة، لا يستطيع أن يقدم الحب للإنسان، فالحب الحقيقى يظهر فى العلاقة الشخصية، مثل خدمة الكاهن أو الخادم للناس، وهذه هى القنوات الحقيقية لنقل المحبة، أما وسائل التواصل الاجتماعى، رغم مظهرها الجذاب واللامع، فتظل باردة وخالية من المشاعر؛ لو قلت لها نكتة فلن تضحك، ولو أخبرتها بخبر حزين فلن تبكى، «السوشيال ميديا عاملة مثل الرخام الأبيض البارد، ممتلئ بالمظهر لكنه خالٍ من الروح والعاطفة»، لذلك تأثيرها على وعى الشباب محدود مقارنة بالتجربة الإنسانية الحية التى توفرها الكنيسة.
كيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعى فى تحضير دروس مدارس الأحد والعظات؟ وهل ترون أنه أداة مساعدة أم قد يحمل خطر نشر تعاليم غير أرثوذكسية؟
- هناك اتجاه داخل الكنيسة لمواكبة التطور التكنولوجى والاستفادة من الذكاء الاصطناعى فى مجال الخدمة، فقد شكلت الكنيسة مجموعات صغيرة من الشباب، واحدة فى فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية وأخرى فى مصر، تعمل على تغذية نموذج ذكاء اصطناعى بكتب ومصادر موثوقة خاصة بالإيمان الأرثوذكسى، بحيث يمكنه الإجابة عن أسئلة أبناء الكنيسة بشكل دقيق وموثق، وهذه المجموعات لا تزال فى مرحلة التجربة ولم تصل بعد إلى نتيجة نهائية، فالهدف هو استخدام الذكاء الاصطناعى كأداة مساعدة وليس كبديل.
البابا: وصيتي لمن سيأتي بعدي: حفظ سلام الكنيسة وانضباط التعليم وخدمة المحتاجين
قداستك ذكرت فى مقال بمجلة الكرازة أن من أحلامك أن تقدم كنيسة عصرية متطورة لما سيأتى خلفك.. ما وصية قداستك للبطريرك الـ119 فى تاريخ الكنيسة الذى سيأتى خلفك وما المشروع الذى تود أن تجعله يبدأ فيه؟
- وصيتى لمن سيأتى بعدى، من أول يوم له على الكرسى البابوى، أن يعمل على حفظ سلام الكنيسة، وانضباط التعليم، وخدمة المحتاجين. تلك العناصر الثلاثة يجب أن تستمر فى الكنيسة، وتأخذ كل الاهتمام على مر العصور، وتكون لها الأولوية دائماً لمن سيقود الكنيسة بعدى.
كيف تحافظ على توازنك النفسى والروحى وسط مسئولياتكم الجسام؟
- التوازن النفسى بالنسبة لى يأتى من شىء بسيط جداً وهم الأطفال، فأنا أحب الأطفال جداً، وأكثر لحظة أشعر فيها بالراحة هى عندما أجلس معهم وأحكى لهم حكاية؛ هذه هى هويتى منذ زمن، ليست شيئاً جديداً، ولذا سجلت مؤخراً أكثر من 20 حكاية للأطفال عن مجمع نيقية، فالتعامل مع الأطفال يمثل فسحتى وسط الضغوط، لأن الأطفال يتميزون بالبراءة والبساطة والنية الصافية، وهذا يجعلنى أرتاح وسط الزحمة وضغوط الحياة الكثيرة، فجلوسى مع الأطفال وحكاياتى لهم هى المساحة التى تمنحنى الهدوء والتوازن.
«تواضروس»: في أي مشكلة أرفع قلبي وأدعو: "يا رب استرها عليّ".. والستر والصحة هما أثمن ما في الحياة
ما أصعب جانب فى حمل الصليب البابوى واجه قداستكم طوال 13 عاماً على الكرسى المرقسى؟
- يقولون دائماً إن كل شىء فى الدنيا يولد صغيراً ثم يكبر، ما عدا شىء واحد: المشكلات والأزمات.. فهى تولد كبيرة، ثم مع الوقت تهدأ وتختفى، هكذا علمتنا الحياة.
وأكثر مشكلة تواجهنى وأسجلها أمام التاريخ هى قساوة قلب البعض، وهى مشكلة خطيرة، فكيف يكون الإنسان قد كرس نفسه لله وعاش خادماً فى كنيسته المقدسة، ويحمل داخله قلباً قاسياً أو معانداً؟ إنه أمر فى غاية الخطورة ويعطل عمل الله.
هل تذكرون موقفاً شعرتم فيه بأن الله تحدث إليكم مباشرة؟
- فى أى مشكلة، أرفع قلبى وأقول: «يا رب استرها على»، وتعلمت منذ زمن، من الكبار والأجداد، أن أهم حاجتين فى حياة الإنسان هما الستر والصحة، فهما أغلى ما يمكن أن يطلبه الإنسان، فما دام ربنا ساتر ومانح الصحة، يبقى كل شىء يمكن احتماله، ولا أحتاج أكثر من ذلك.
ما الذى ترغبون أن يعرفه الناس عنكم ولم يذكر من قبل؟
- فى الحقيقة، لا يوجد شىء محدد لم يعرف من قبل، أنا أتعامل مع كل الناس، الكبار والصغار، فى المدينة وفى القرية، داخل مصر وخارجها، بنفس الروح، أبوابى دائماً مفتوحة، وكل من يريد مقابلتى مرحب به، ومن لديه سؤال أو يريد أن يعرف شيئاً، أيضاً مرحب به، الشىء الوحيد الذى يحكمنى هو الوقت، لكن اللقب الذى أحمله، «البابا»، يعنى أن باب الأب مفتوح لكل أولاده فى أى مكان.
البابا: مصر عظيمة في حاضرها ومستقبلها وتستحق ثقتنا وعملنا من أجلها
بماذا يتمنى قداسة البابا تواضروس أن يذكره التاريخ، وماذا تود أن يقول المصريون عن فترة توليه للكرسى البابوى؟
- أتمنى أن أكون حلقة من حلقات التاريخ، وأن يقال عنى: كان يهتم جداً بحفظ سلام البلد وسلام الكنيسة.
ونحن نطوى عام 2025 ونستقبل عام 2026، ما النصيحة التى يوجهها قداسة البابا إلى المصريين جميعاً فى ظل التحديات التى تواجه الدولة المصرية؟
- كن أميناً فى كل ما تقوم به وفى كل ما تصنع، وكن مجتهداً، فالبلد يحتاج إلى كل ابن من أبنائه، وكل منا يؤدى دوره فى موقعه حتى نكمل الصورة، ومن فضلك أيها المواطن، لا تكن شخصاً يشيع المذمة فيفقد الأمل والرجاء، بلادنا بلاد عظيمة فى حاضرها ومستقبلها، وفيها إمكانيات رائعة تستحق أن نثق فيها ونعمل من أجلها.

