اقتراح دولة فلسطين (2)

توقفت خلال قراءة كتاب أحمد بهاء الدين «اقتراح دولة فلسطين.. وما دار حوله من مناقشات» الصادر عن دار الآداب اللبنانية سنة 1968، أمام رد الأديب الشهيد غسان كنفانى، كما أشرت فى مقال السابق، وأدهشنى أنه فى سياق حديثه لم يُشر إلى ما جرى فى «المؤتمر الفلسطينى» الذى عُقد فى غزة فى أكتوبر سنة 1948، وأُعلن فيه الاستقلال وإقامة حكومة عموم فلسطين. وربما لأن هذه الحكومة توارت مع الوقت خلف الإدارة المصرية لقطاع غزة حتى انتهاء هذا الدور المصرى فى أعقاب نكسة 1967، كما أن خلافاً عربياً كبيراً أُثير حولها منذ تأسيسها، رفضاً لفكرة إعلان حكومة على جزء لا كل الأراضى الفلسطينية، وهو ما حرم هذه الحكومة، التى ترأسها أمين الحسينى، من أن يكون لها أثر واضح فى مسار القضية، لدرجة أن سيرتها سقطت من كل المناقشات التى دارت حول اقتراح «دولة فلسطين»، إلا فى مرة وحيدة وُصفت فيها بالحكومة «الوهمية».
أما الاستقلال (الثانى)، والذى أعلنته منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات من المنفى فى 15 نوفمبر 1988، أثناء انعقاد الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطنى الفلسطينى فى الجزائر العاصمة، فقد كتب وثيقة هذا الاستقلال الشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش.
واختلفت نتائج «الاستقلال» بين التاريخين 1948 و1988 بسبب وجود قيادة فلسطينية قوية تدير المسألة، وكان أبوعمار فى ذلك الوقت فى أوج مجده السياسى، مسنوداً بزخم الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التى مثّلت درة المقاومة السلمية فى تاريخ القضية، وسُمّيت بـ«انتفاضة الحجارة».
حيث أوصلنا هذا الاستقلال وإعلان الدولة إلى مسار السلام المضطرب فى عقد التسعينات، من مدريد إلى أوسلو، وصولاً إلى ميلاد ما سُمّى «السلطة الفلسطينية» بعد اتفاق «غزة - أريحا»، قبل أن يتعثر مسار السلام ويدخل نفقاً مظلماً لأكثر من ربع قرن من الزمان، لم يخرج منه حتى اليوم.
وخلال هذه السنوات، قطعت السلطة الوطنية الفلسطينية طريقاً طويلاً للحصول على اعتراف أممى بمسمّى «دولة فلسطين»، وتحقق ذلك فى الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012، عندما تم رفع مستوى تمثيلها من «كيان» إلى «دولة مراقب»، بعد حصولها على موافقة 138 دولة من أصل 193 عضواً فى الأمم المتحدة.
وتختلف جغرافية الدولة، فى اقتراح الأستاذ بهاء، عما آلت إليه اليوم حدود فلسطين والمناقشات حولها، والتى لا يملك أى من المتحدثين عن «حل الدولتين» ملامح واضحة لها، أو تصوراً جدياً لسبل الضغط على الإسرائيليين لتغيير عقيدتهم الراسخة برفض وجودها.
إن مناقشات عام 1968، بين الأستاذ بهاء وصفوة من المفكرين الفلسطينيين والعرب حول اقتراح دولة فلسطين، كانت أيضاً هروباً إلى الأمام وقفزاً على جراح النكسة. وكان حوارهم (فضائياً) لا مجال لتحققه، ليس فقط لأن أرض فلسطين وقتها كانت قد احتُلّت بالكامل، ولكن لأن الأيام والحوادث والخلافات التى تلت ذلك، وحتى اللحظة التى نقف فيها اليوم وما زلنا نتسول حقاً أصيلاً، قد أثبتت صحة القول الخالد للرئيس جمال عبدالناصر: «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة».
ولا أستطيع أن أختم قبل أن أنقل لكم هذه السطور المهمة من كتاب الأستاذ بهاء، حيث قال: «هناك اقتراح آخر تدعو إليه إسرائيل، بإنشاء كيان فلسطينى من الأراضى التى احتلتها بعد 5 يونيو، يكون له استقلاله الداخلى، ولكنه مرتبط مع إسرائيل فى السياسة الخارجية والدفاع والاقتصاد. إن هذا الاقتراح الإسرائيلى أخطر وأسوأ مما لو قالت إسرائيل بجعل الأراضى المحتلة جزءاً كاملاً من إسرائيل! لأن ضم الأراضى المحتلة لإسرائيل يضم عدة مخاطر تخشاها إسرائيل. منها تغير نسبة السكان، وأنهم سيطالبون بحقوق سياسية واقتصادية مساوية لحقوق المواطن الإسرائيلى، أى أن إسرائيل لن تكون إسرائيل. أما الاقتراح الآخر الذى تدعو له إسرائيل بكيان قائم بذاته ولكنه تابع لإسرائيل، فهذا حل أشبه بنظام التفرقة بين السود والبيض فى جنوب أفريقيا، ليس تفرقة عادية ولكنه خلق مجتمعين متجاورين، أحدهما يستعمر الآخر ويستغله ويبقيه فى درجة أقل منه، مع إبقاء الحاجز المطلق بين المجتمعين».
ما حذّر منه أحمد بهاء الدين قبل عقود، يتحقق اليوم بأقسى صوره: كيان بلا سيادة، وحلول تُطرح تحت النار، وشعب يُطلب منه أن ينتظر السياسة بينما يُستهدف وجوده ذاته. وفى غزة، حيث يُعاد تعريف الصراع بدم أبنائه، يصبح السؤال الحقيقى ليس متى تُعلن الدولة، بل أى دولة يمكن أن تولد من رحم هذا الخراب، وبأى شروط، ولصالح من!