لم تعد منصات التواصل الاجتماعى مجرد وسائل للترفيه والتواصل، ومع التطور الرقمى تحولت إلى فضاءات عامة تؤثر فى الرأى العام وتشكل الوعى المجتمعى. وهذا التحول صاحبه بروز مسئوليات قانونية جسيمة، يغفل عنها كثير من مديرى الحسابات على المنصات الاجتماعية، وأصحاب المواقع الصحفية الإلكترونية. ووفقُاً للدراسة التحليلية التى أعدها الدكتور طارق سرور، أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائى بكلية الحقوق جامعة القاهرة، فإن المادة 27 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات فى مصر، تشكل مرجعية قانونية مهمة لكافة مستخدمى المواقع الإلكترونية، لفهم أبعاد المسئولية الجنائية عن المحتوى المنشور عبر حساباتهم.
تنص المادة 27 على أن: «فى غير الأحوال المنصوص عليها فى هذا القانون، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه، ولا تزيد على ثلاثمائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أنشأ أو أدار أو استخدم موقعاً أو حساباً خاصاً على شبكة معلوماتية يهدف إلى ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة معاقب عليها قانونُاً». ويشير الدكتور «سرور» إلى أن هذا النص، رغم وضعه تحت فصل «الجرائم المرتكبة من مدير الموقع»، فإن صياغته العامة بعبارة «كل من» تجعله شاملاً لأى شخص يرتكب الأفعال المذكورة، سواء كان مدير الموقع أو منشئ الحساب أو مستخدمه الفعلى. وتشير الدراسة إلى نقطة محورية، تتعلق بمن يمكن مساءلته جنائياً بموجب هذا النص.، فبالنسبة لمديرى المواقع الصحفية الإلكترونية، فوفقاً للقانون، يتحمل رئيس تحرير الجريدة الإلكترونية المسئولية (مادة 41 فقرة 4 من قانون تنظيم الصحافة)، وإذا لم يكن الموقع صحفياً، تنتقل المسئولية إلى مدير الموقع.
وفيما يتعلق بمنشئى الحسابات، يُسأل الشخص الذى أنشأ الحساب أو الموقع، حتى لو لم يكن هو المدير أو المستخدم الفعلى لاحقاً. أما المستخدمون الفعليون، فكل من يستخدم حساباً أو موقعاً، فى ارتكاب جريمة يُسأل جنائياً، بغض النظر عن كونه المالك الأصلى للحساب. وفى حالة عدم وجود مدير رسمى للموقع تنتقل المسئولية إلى من يتولى الإدارة الفعلية. وتتسع دائرة الجرائم التى يمكن تطبيق المادة 27 عليها لتشمل: جرائم النشر مثل القذف والسب والقدح فى الذمة والأعراض، وجرائم الإرهاب، وغسل الأموال عبر المنصات مثل «تيك توك» من خلال الوكالات الوسيطة، التى ترسل الهدايا للتيك توكرز، ثم تسترد جزءاً من الأموال، وتجارة الأسلحة عبر عرض صور لأسلحة نارية للبيع، وكذلك التحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين. وتشير الدراسة إلى تحدٍ جوهرى عند تطبيق القانون، فالمادة 71 / 2 من الدستور تنص على أن «لا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن فى أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون».
وبناءً على ذلك، فإن عقوبة الحبس المنصوص عليها فى المادة 27 لا يمكن تطبيقها على جرائم النشر العادية (كالقذف والسب) التى تتطلب العلانية، إلا فى الجرائم المستثناة دستورياً، كالتحريض على العنف والتمييز، وهذا يحد من فاعلية النص فى مواجهة كثير من جرائم النشر، ما يدفع البعض للجوء إلى نصوص أخرى، مثل المادة 76/2 من قانون تنظيم الاتصالات، التى تجرم تعمد إزعاج أو مضايقة الغير، باستخدام وسائل الاتصالات، وتنص على عقوبة سالبة للحرية. وتواجه المادة 27 تحدياً آخر يتمثل فى تداخلها مع نصوص خاصة فى قوانين أخرى (كالقتل، والإرهاب، وغسل الأموال) التى قد تنص على عقوبات أشد، وفى هذه الحالة تطبق القاعدة القانونية المعروفة بأن «النص الخاص يقدم على النص العام»، مما قد يحد من جدوى تطبيق المادة 27 فى مواجهة هذه الجرائم. وتفترض الدراسة أن صاحب الحساب الإلكترونى هو المسئول عن التحكم فى المحتوى المنشور عليه، ومن المفترض بشكل عام أنه منشئ المحتوى إذا كان شخصاً طبيعياً، ما لم يُثبت عكس ذلك. وهذا يضع عبئاً إثباتياً كبيراً على عاتق المدعى عليه، مما يستوجب توخى الحذر الشديد فى إدارة الحسابات، وتفويض الصلاحيات.
من هذه الدراسة القيمة، يمكننا استخلاص توصيات عملية لأصحاب المواقع والحسابات، ومن أهمها ضرورة التدقيق فى التعيينات الإدارية، وأن يتم تحديد المسئولين عن الإدارة بشكل واضح، مع توثيق الصلاحيات والمسئوليات. ويستلزم الأمر وضع سياسات نشر واضحة، ومعايير تحريرية صارمة تتوافق مع القانون، يرافقها تدريب الكوادر عليها. ومن المهم توثيق البيانات بدقة، وحفظ سجلات بالنشرات والمحتوى والمسئولين عنه، فقد تكون ضرورية للإثبات فى حالات الدعاوى. والرسالة الأهم لأصحاب المواقع الصحفية الإلكترونية ومديرى الحسابات الاجتماعية هى أن المسئولية القانونية فى الفضاء الرقمى حقيقية وجسيمة، وتتطلب وعياً دقيقاً بحدود وضوابط النشر.
تطوير الثقافة القانونية الرقمية أصبح ضرورة ملحة لكل من يعمل فى حقل النشر الإلكترونى وإدارة المنصات الاجتماعية، فالفهم العميق لهذه النصوص ليس فقط وسيلة للوقاية من المساءلة القانونية، لكنه أيضاً خطوة نحو ممارسة أكثر احترافية وأخلاقية، حتى لا نقع فى فخ هذا الفضاء الرقمى اللانهائى.