الأمن الدوائي.. قضية لا تحتمل التأجيل..!
لم تكن تلك المرة الأولى في السنوات الأخيرة التي أبحث فيها عن دواء لمريض بين معارفي من الصيادلة أو مصنّعي الدواء في مصر، لكنها كانت -على غير العادة- المرة الأولى التي أفشل فيها تماماً في العثور عليه، رغم كونه دواءً محلي الصنع.
بحثٌ امتد، وسؤالٌ تكرر، ونتيجة واحدة لا تتغير: الدواء غير متوافر.
لحظة صغيرة فى ظاهرها، لكنها كافية لبث قلق حقيقى فى النفس، ولإعادة طرح سؤال قديم جديد: إلى متى تظل أزمات الدواء ملفاً مؤجلاً؟
في ظل الاضطرابات الاقتصادية العالمية، يظل الدواء من أكثر السلع حساسية وتأثراً، وتظل قضية الأمن الدوائى أحد أعمدة الأمن القومى لأى دولة. فالدواء ليس سلعة استهلاكية يمكن تعويضها بسهولة، بل عنصر أساسى فى الحق فى الحياة ذاته.
ولا خلاف على أن ملف الدواء فى مصر يحتاج إلى رؤية شاملة، فالدواء سلعة ذات طبيعة خاصة، وضمان توافره المنتظم وبسعر مناسب للمواطن هدف استراتيجى لا يحتمل الاجتهاد أو التأجيل.
لقد امتلكت مصر تاريخاً طويلاً فى تصنيع الدواء منذ منتصف القرن الماضى، ورغم هذه العراقة، لا يزال «الاستقرار الدوائى» غائباً حتى اليوم. وهو غياب يصعب قبوله ونحن نتحدث عن بناء جمهورية جديدة، تقوم فى جوهرها على العدالة الاجتماعية والحق فى الرعاية الصحية.
وتقع إشكالية صناعة الدواء فى مصر عند نقطة التوازن الصعبة بين إتاحة الدواء للمريض واستدامة الصناعة.
فالدواء المصرى يُعد من الأرخص عالمياً، ويخضع لتسعير جبرى أراه ضرورياً فى ظل تحمّل المواطن نسبة كبيرة من تكلفة العلاج، لكن فى المقابل تواجه الصناعة ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام وتكاليف التشغيل، ما يهدد استمرارية الإنتاج ويجعل نقص بعض الأدوية أمراً متكرراً.
والمفارقة أن مصر تمتلك أكثر من 174 مصنع دواء، تضم ما يزيد على 720 خط إنتاج، وفقاً لتصريحات رسمية. وهو رقم يمثل ثروة قومية حقيقية لو وُضعت ضمن منظومة تخطيط وتصنيع وتسويق متكاملة.
غير أن المشكلة الحقيقية تكمن فى تسجيل أدوية دون ضمان استدامة إنتاجها، وغياب رؤية موحدة للتسويق داخلياً وخارجياً، ما يجعل التصدير اجتهادات فردية، ويجعل السوق المحلية أول من يدفع الثمن.
وحتى الحلول المطروحة لم تسلم من القصور. فقد حاولت شخصياً استخدام خدمة توفير الدواء التى أطلقتها هيئة الدواء المصرية للبحث عن دواء ناقص، فكانت المفاجأة أن النظام يقترح بديلاً من مادة فعالة مختلفة تماماً.
وهنا تتبدى المشكلة بوضوح: نحن لا نبحث عن بدائل نظرية، بل عن نفس الدواء أو نفس المادة الفعالة، لأن القرار العلاجى ليس رفاهية، ولا يجوز اختزاله فى اقتراحات آلية لا تراعى الفروق الدقيقة بين الأدوية.
فى رأيى فهذا الملف لا يحتاج أكثر من إرادة تنفيذية واضحة.. إعادة تقييم الأدوية المسجلة، وضمان إنتاجها المنتظم، وإلزام الشركات غير المصنعة بخطط زمنية حقيقية أو الخروج من السوق، مع تشجيع التصدير -خاصة إلى أفريقيا- من خلال تسعير تشغيلات مخصصة للتصدير دون الإضرار بالسوق المحلية. هذه الأفكار ليست جديدة، ولا غائبة عن صُنّاع القرار، لكن ما يغيب حتى الآن هو التحرك الحاسم.
ربما آن الأوان لأن نتعامل مع الدواء باعتباره قضية أمن قومى لا تحتمل الحلول الشكلية.. وأن نجد من يطلق شرارة البداية لتحقيق استقرار حقيقى فى واحد من أخطر ملفات القطاع الصحى.. أو هكذا أعتقد..!.